Pages

Wednesday, October 2, 2013

رحلة حسن ومرقص للبحث عن كوهين (1) - حول قراؤو خليج سان فرانسيسكو



فى مطلع خمسينيات القرن الماضي قدم مسرح نجيب الريحاني مسرحية "حسن ومرقص وكوهين" والتى تحولت الى عمل سينيمائي يحمل نفس الاسم فى عام 1954. كان العمل فى ذلك الحين يهدف الى طرح صورة النسيج الوطني كما تراها مصر ما بعد الثورة متكوناً من مسلمين ومسيحين ويهود. ولكن ومنذ ذلك الحين تم فقد كوهين بشكل ما ولم يتم العثور عليه. فى عام 2008 تم إنتاج فيلماً أخر بعنوان "حسن ومرقص" واضحى مرقص نفسه يخشى الا يتبقى فى النهاية سوى حسن. تلك المقالة تدور حول رحلة حسن ومرقص للبحث عن كوهين فى العالم الجديد للتعرف عن سبب رحيله.


الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت الساحل الغربي. أمسك بمقود السيارة منذ السابعة مساء الأمس لأشق الطريق من جنوب كاليفورنيا لشمالها فى رحلة كانت يجب ألا تستغرق أكثر من 8 ساعات ولكنها -والفضل لزحام لوس أنجيليس- استغرقت 14. يجلس بجانبي ايضاً منذ أمس صديقي القبطي مرقص وهو ما بين النوم واليقظة. رأسه الصلعاء تلمع تحت أشعة شمس كاليفورنيا الشهيرة بينما يحاول جاهداً ان يقاوم النوم حتى يشد من أزري. تقودنا شاشة جهاز الجي بي أس الصغيرة إلى مدينة داللي سيتي جنوب خليج سان فرانسيسكو والذى يقع بها معبد اليهود القراؤون بني يسرائيل. قدمنا إلى هذا المعبد حاجين، ليس له، ولكن لأهله وعابديه وناسكيه. جئنا نبحث عن شريك وجار قديم ليمسح عنا أثام وخطايا قد لا نذكرها نحن ولكن يذكرها التاريخ.

القراؤون هم واحدة من اعرق الطوائف اليهودية فى مصر والشرق الأوسط ويعتبرون من سكان مصر الأصليون. ليس لدينا تاريخ دقيق لظهور الطائفة القرائية ولكن أقرب تاريخ لدينا هو القرن الثامن الميلادي. يرفض القراؤون تماماً اي سلطة دينية للتلمود اليهودي -وهو بمثابة السُنة- ويقرون فقط بسلطة التوراة التشريعية وباقي أسفار الكتاب المقدس العبري. فى عام 1948 شكل اليهود القراؤون 8% من مجمل عدد اليهود المصريين والذى تراوح عددهم آنذاك ما بين 85000 و100000. كان القراؤون مصريون مستعربون كباقي المصريون ولم تكن تربطهم صلة قوية بباقي اليهود الربانيون. كان اليهود الربانيون ينظرون بإزدراء للقراؤون بإعتبارهم مُجدفون ومنشقون عن الإجماع اليهودي، وكانوا يرونهم مصريون فقراء وجهلاء. كان الزواج المختلط بين القراؤون والربانيون محرماً من كلاً من الطائفتين، واحتفظ القراؤون بعلاقة افضل مع المسلمين حيث يتشارك القراؤون والمسلمون الكثير من الطقوس الدينية اليومية مثل الوضوء والسجود والركوع. فى مطلع القرن العشرين كان كل القراؤون تقريباً يتحدثون العربية فى البيت، وليس الفرنسية او الإنجليزية كباقي الأقليات. كان وضع القراؤون صعباً بإعتبارهم أقلية داخل أقلية ولكن كانت هويتهم المصرية تجعلهم مندمجون تماماً فى الحياة المصرية بفضل نظام الملل العثماني.
مدرسة الإسرائيليين القرائين الخيرية بحي الجمالية 1920

يبدو المبنى من الخارج كسائر أبنية الخدمة العامة الأمريكية، تلمع عليه نجمة داود وعبارة "معبد بني يسرائيل" بالإنجليزية والعبرية. أوقفنا السيارة فى المرآب الخاص بالمعبد مع سائر سيارات الزائرين. وكان الأمر غريب للغاية بالنسبة لي أن ارى سيارات فى المرآب حيث هذا يعني بالضرورة ان هناك من المصلين من جاء بسيارته وقد اعتدت من زياراتي بمعابد اليهود الربانيين ألا ارى سيارة واحدة حيث ان قيادة سيارة فى يوم السبت هي خطيئة عظمى، ولكني سريعاً من تذكرت ان الطائفة القرائية اشتهرت بتسامحها ويُسرها مُقارنة بالطائفة الربانية. ولم تكن السيارات هي الشئ الوحيد المختلف عن المعابد اليهودية الاخرى، ولكن كان المكان كله مختلفاً. استقبلنا المكان بغرفة خلع الاحذية حيث يصلي القراؤون فى معابدهم كعادة المسلمين بلا احذية بل ان سجاد الموكيت الموجود ذكرني مباشرة بأرضية المساجد. يتدفق إلينا من قاعة الصلاة صوت عذب يجود التوراة كتجويد المصريين للقرءان.


لمحنا احد القائمين بأعمال المعبد وجاء لتحيتنا. اتضح انه ابراهيم مصاروة، نفس الشخص الذي كنت قد حدثته فى الهاتف منذ فتره فأخبرته انني انا الباحث المصري الذى حدثته فى الهاتف وقدمت له صديقي مرقص باحث المصريات. رحب بنا وطلب مننا ان نلتزم بقواعد المكان حتى ينتهي المصلين من اداء قداس صباح السبت وان نخلع الاحذية ونرتدي قبعة الرأس اليهودية وشال الصلاة صاحب اللونين الشهيرين الأبيض والأزرق. كان مرقص متحمساً للغاية وكأنه فى مهمة تقمص دور يهودي لبعض الوقت. 
دخلنا قاعة الصلاة وجلسنا فى الصفوف الخلفية. كان أقل فارق بيني انا ومرقص واصغر المتواجدين لا يقل عن 50 عاماً. فكلهم كهولاً منهم من قارب التسعين من عمره. اقتربت مننا أمرأة مسنة لتحيتنا فى همسات خافتة. حياها مرقص بالمصرية فتهلل وجهها فرحاً وردت عليه بالمصرية. ثم التفت وراءنا وآتت بكتابين بالأنجليزية واخبرتنا انه سيساعدنا فى متابعة الصلوات وفهم ما يتم قراءته بالعبرية. أخذ مرقص منها الكتاب بينما اعتذرت لها متعللاً بمعرفتي بالعبرية. تابعنا انا وصديقي الصلاة، كان مرقص يهمس لي بين الحين والآخر ليخبرني عن التشابه الذي يراه هنا مع قداس الكنيسة. اخبرته ان ما يراه هنا هو خاص باليهود القرؤون فقط واما سائر اليهود فيصلون بطريقة مختلفة تماماً. كذلك تخللت صلاتهم ركوعاً وسجوداً وللحظة نسيت ان كنت اشاهد يهوداً ام مسلمين ولم اعرف اذا كان وجهنا قبلة مكة ام قبلة القدس.


مع بداية تصاعد الإحتقان العربي-اليهودي فى فلسطين بدءاً منذ عام 1937، كان الصراع بدء بيلقى بظله على اليهود المصريين وبدءت فى مصر موجة عداء للسامية شديدة. مع تأسيس دولة إسرائيل وإندلاع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى شهدت مصر الكثير من اعمال العنف الموجهة ضد اليهود. كان اكثرها شهرة تفجيرات الممتلكات اليهودية وتفجيرات حارة اليهود والتى اودت بحياة 70 يهودياً واصابت 200. عدد كبير أخر لقى حتفه على يد تجمعات العامة فى المنظاهرات المناهضة لليهود. بحلول عام 1950 كان قد غادر مصر 40% من تعداد السكان اليهود ثلثهم فقط انتهى به الحال فى اسرائيل. وكان كل من غادر من اليهود الربانيين السفاردين والأشكنازين بينما لم يرى القراؤون نفسهم طرفاً فى هذا الصراع بإعتبارهم مختلفين عن اليهود الربانيين الذين اسسوا اسرائيل. رغم توقف النشاطات العامة لليهود فى الأندية اليهودية وتوقف جميع الصحف اليهودية عن الصدور بحلول عام 1953، إلى ان القراؤون استمروا فى اصدار صحفهم والتى كان يتصدرها صحيفة الشمس الى تاريخ متأخر عن ذلك بكثير. كان اليهود الأوروبيون الصهاينة لا يعتبرون القراؤون يهوداً بالمعنى التقليدي، لذلك لم تستهدف النشاطات الصهيونية القراؤون بأي شكل. بل أن منظمة الهجرة اليهودية طلبت من عملائها فى مصر منع هجرة القراؤون لإسرائيل. تسبب ذلك الفصل الواضح بين القراؤون والصهيونية فى شعور القراؤون بالأمان فى مصر اكثر من باقي اليهود. بدء القراؤون يواجهون عداءاً شديداً بعد القبض على الطبيب القرائي موشيه مرزوق والذي اتضح انه كان يعمل لصالح الموساد وتم اعدامه. بعد تلك الحادثة صرح وزير الداخلية زكريا محي الدين ان اليهود المصريون من ابناء مصر الشرفاء ولن تستهدفهم الحكومة بأي شكل.

انتهت الصلاة وبدء المصلون بتبادل التحيات. جاء ابراهيم وسلم علينا مرة اخرى ودعانا للإنضمام لمآدبة يوم السبت مع باقي الحاضرين لتناول الإفطار. قدمنا ابراهيم للحاضرين وكانت تلك المرة الأولى التى اتحدث فيها مع يهوداً بالمصرية بطلاقة خارج مصر. استقبلنا الجميع بترحاب شديد وبشاشة وجه. كنت احاول ان اقابل ذلك الترحيب الحار بمشاعر دافئة مماثلة ولكن ذكريات الماضي كانت تثقل على انفاسي بشدة. كنت اشعر وكأننى كمن "قتل القتيل ومشى فى جنازته." عندما كان يصافحني احدهم ينظر الى بإبتسامه ودوده، كنت اذكر لوجهه وانا اعلم فى نفسي ما لاقاه هذا الوجه فى سجون عبد الناصر لإنه لم يكن مسلماً. كان وجههم يتهلل فرحاً بإبتسامة عريضة عندما يعلمون اننا من مصر ويقولون "واااو انت من مصر؟" كنت اود ان ارد "أجل انا من مصر. انا من البلاد التى اعتقلتك وسجنتك وعذبتك انت وسائر اسرتك. انا ابن هؤلاء الذين انتهكوا مالك وجسدك فقط لإنك يهودي والأن جأت لك لأعتذر" ولكن لم يكن هذا ما جئت من أجله.

بعد أزمة السويس فى عام 1956 قرر النظام الناصري التخلص بشكل دائم من جميع المواطنون اليهود، وتم سحب الجنسية من 25000 ألف يهودي ممن تبقوا. قامت السلطات بترحيل ذلك العدد فى غضون يومين بعد ان تم سحب ممتلكاتهم وتزويدهم بوثيقة سفر "خروج بلا عودة". وتم السماح لكل يهودي بحمل حقيبة واحدة ومبلغ عشرين دولاراً. تم ايضاً اعتقال الكثير من اليهود فى سجن الطور بسيناء، وتم تعذيب الكثير منهم جسدياً. قامت القوات الإسرائيلية فى عملية لاحقة بالهجوم على السجن وتحرير السجناء. كذلك تم إستبعاد اليهود القراؤون من عملية الترحيل والسجن هذه بشكل إستثنائي، بإعتبارهم أقل إزعاجاً وأملت الحكومة ان يفهموا وحدهم ان اليهود لم يعود مرغوب بهم فى مصر. للأسف لم يفهم الكثير اولئك القراؤون تلك الرسالة واستمر معظمهم فى البقاء فى مصر حتى عام 1967.



تركت مرقص يتبادل معهم الحديث بود حول مصر واحالها وبدءت باصطياد هؤلاء الذي يبدو من سنهم المتقدم ان لديهم من الذكريات ما قد يهمني

ابراهيم درويش
يخبرني الجميع انه اول من جاء من يهود مصر الى سان فرانسيسكو. كان كهلاً قارب التسعين ويسمع بصعوبة شديدة. كنت أحاول ان اوجه له الأسئلة بصوت عالى وقريباً من أذنه، ولكنه كان يفاجئني بإجابة أسئلة اخرى تماماً. احاول ان اعيد على مسامعه سؤالي بصوت اعلى ولكنه يعود ويجيب على شيئاً اخر تماماً. فى النهاية يأست من المحاولة وقررت ان استمع لكل اجاباته. كنت مبهوراً بحديثة المرسل بالمصرية وهو الذي غاب عن مصر منذ أكثر من نصف قرن. اخبرني انه كان مهندساً فى هيئة السكة الحديد. كان من أصغر المهندسين سناً وأبرعهم. أخبرني انه صمم خطوطاً كاملة بناها عبدالناصر. كانت براعته سبباً فى بقاءه حتى مطلع الستينات بينما كان معظم القراؤون بدءوا فى المغادرة منذ ازمة السويس فى 1956. كان مديره فى هيئة السكة الحديد فخوراً به ومتمسكاً به. فى عام 1961 عندما بدء صدور قوانين الشركات، بدئت الدولة فى التأميم الشامل لمختلف القطاعات. وقرر النظام الناصري تنظيف الدولة من هؤلاء "المشكوك" فى مصريتهم. وهكذا تلقت السكة الحديد أمراً برفد المهندس اليهودي ابراهيم درويش. كان مدير الادارة متمسكاً للغاية بإبراهيم فقام سراً وبدون علمه ببدء إجراءات تغيير ديانة إبراهيم درويش فى الأوراق الرسمية من يهودي إلى مسيحي حتى يستطيع الإبقاء عليه. ويحكي لي إبراهيم: "استدعاني فى المكتب، رحتله. فضلت واقف قدامه شوية وهو قاعد يكتب فى حاجات ومش راضي حتى يبصلي. وبعدين لقيته رمالي ورق على المكتب وقالي "اتفضل يا استاذ رووح خلص ورقك." قلتله ورق ايه ومسكت الورق ابص فيه لقيته ورق تغيير بيانات من يهودي لمسيحي." وهنا بدء صوت ابراهيم فى الاختلاج وبدءت عينيه تمتلئ بالدموع وهو يخبرني كيف انه رفض ذلك "لأ، أنا معملش كده ابداً، انا مش مسيحي ولا مسلم، انا يهودي." شعرت بالذنب والألم لإنني سبب إسترجاع ذلك الشيخ الذي قارب التسعين لذكرياته القاسية. وامتلأت سخطاً على تلك البلد التى تستطيع ان تزرع ألماً كهذا يبكي اصحابه بعد نصف قرن وقد شابو. اردت ان اوقفه إشفاقاً عليه من البكاء إلى اننى أثرت ان اصمت واستمع احتراماً للرجل وألمه. أخبرني كيف انه كتب استقالته فى اليوم ذاته وتخلى عن مستحقاته المالية. اخبرني كيف انه اخذ يجوب الشوارع باكياً وهو لا يعلم مذا يفعل وليس بحوذته سوى بضعة قروش. لم تمر بضعة أسابيع ألا وقد غادر ابراهيم درويش إلى سويسرا حيث مكث شهوراً ثم توجه إلى أمريكا حيث قرر ان يستقر فى مدينة سان فرانسيسكو وتبعه بعد ذلك العديد من القراؤون. ربما يكون ما تعرض له درويش بسيطاً للغاية مقارنة بما عاناه اليهود الأخرون من سجن وتعذيب، ولكن الأثر الذى تركه ما حدث داخله لا يقل بؤساً.

مارك خضر
كان هو من قاد الصلاة. أثناء حديثي مع احد الأشخاص سمعت صدى محادثة له مع ابراهيم مصاروة فى احد اركان المعبد. كان ابراهيم مصاروة يخبره عني واني من مصر، عندها سمعت صوت مارك يصيح غاضباً يقول "من مصر؟ قولو له على اللى حصل فى ابو زعبل وطره." اثرت على الا اتحدث معه فهو لا يبدو مرحباً.

ريجينا
من الصعب ملاحظة جسمها الضئيل للغاية وسط الموجودون. يبدو انها تعدت الثمانين من العمر. كانت ريجينا من هؤلاء اليهود الفقراء القاطنون فى حارة اليهود بالموسكي لأسرة مصرية يهودية بسيطة. مازالت تتحدث ريجينا بعربية مصرية خالصة بسيطة تتخللها العبارات المصرية الشعبية وكأننا مازلنا فى الأربعينيات ومازلنا نقف فى الحارة بالموسكي وليس على شواطئ المحيط الباسيفي فى النصف الأخر من الكرة الأرضة. تخبرني ريجينا عن المظاهرات المعادية لليهود، وهجوم حواش العامة عليهم فى الطرقات والأطفال الراكضون خلفهم خلفهم وهم يلقونهم بالحجارة. تصادف ايضاً انها كانت تقطن فى احد المنازل التى فجرها الإخوان المسلمين فى عام 1948. تخبرني ريجينا كيف انه لم ينجو من الحادث سوى هى وأبيها. هى تذكر جميع التفاصيل، كان هناك صوت انفجار، ثم رأت أمها وأختها يهوون لأسفل، ثم الكثير من التراب، ثم لاشئ سوى الصمت والموت. أخبرتني ريجينا ان قوات الانقاذ كانت تنظر لهم بإزدراء وانهم كانوا يرفضون مساعدة هؤلاء القابعون تحت الأنقاض. يبدو ان عمال الإنقاذ المسلمون يأخذون عملهم بجدية فقط عندما يكون المصابون غير يهوداً. تركت ريجينا وأبيها حارة اليهود وتزوجت فيما بعد طبيب يهودي شاب والذى اخذها وهاجرا إلى إسرائيل. عاشت ريجينا فى إسرائيل بضعة سنوات ولكن زوجها لم يرتاح فى اسرائيل فأخذها وهاجرا مرة أخرى لسان فرانسيسكو حيث استقرا هنا.

جو بيساح وريمي بيساح
كان جو بيساح احد اهم من قابلتهم لعدة اسباب اولها انه كان بمثابة المتحدث الرسمي باسم الطائفة، كذلك فقد بقى بيساح فى مصر حتى وقت متأخر للغاية وتركها بعد حرب عام 1967 وكان طالباً جامعياً حينئذ ومازالت يحتفظ بصحة جيدة تسمح له الحديث عن الكثير من التفاصيل. مشاعر النوستالجيا التى يتحدث بها جو بيساح عن ايامه المبكره مصر مقلقة اذا اخذنا فى الاعتبار ما حدث له فيما بعد. يذكر بيساح ذكريات العائلة والأصدقاء، وموائد الطعام والصلاة فى المعبد يوم السبت. يذكر العطلة الصيفية فى راس البر والتى كانت تمتد ثلاث أشهر، ولكن ليس هذا فقط ما يذكره بيساح. يذكر بيساح الأجواء المعادية لليهود التى اجتاحت مصر عندما كان طفلاً خاصة بعد كشف شبكة التجسس والتخريب الإسرائيلية عام 1955 والمعروفة بإسم عملية سوزانا. من سوء الحظ كان احد المتورطون فى العملية قرائياً وهو الدكتور موشيه مرزوق وكانت تلك المرة الأولى على الأطلاق فى مصر التى يتضح فيها ان هناك يهودياً قرائياً منخرط فى نشاط صهيوني. تم إعدام موشيه مرزوق شنقاً وقد كتبت الصحف مقالات مطولة بوصف دقيق للحظات موته على حبل المشنقة عقاباً على خيانته وردعاً للأخرين. كل هذا يذكره بيساح. سألت بيساح لماذا ظلت عائلته فى مصر كل ذلك الوقت؟ لقد غادر الكثير من اليهود بعد 1948 مباشرة. وهؤلاء الذين لم يفهموا الرسالة بعد 1948 فهموها وغادروا بعد 1956، ولكن لماذا اختارت عائلتك ان تبقى فى مصر حتى 1967؟ قال بيساح ان اسرته كانت اسره مصرية تماماً. كانوا كلهم يتحدثون العربية المصرية ولم يكن لهم صلات باوروبا ولم يكن ليدهم بديل عن مصر. لقد اختاروا البقاء فى مصر لأنهم كانوا يأملون ان الاحوال ستتغير وتتحسن وأن العلاقات الطيبة مع العرب والمسلمين والمسيحين سوف تبدء مجدداً يوماً ما. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث. ما حدث او ان حُمى الحرب اصاب مصر فى 1967. حدثني بيساح عن حالة التعبئة العامة وحمى الحرب. تحولت ساحات المدارس لمعسكرات تدريب لتدريب الطلبة على حمل السلاح. تم بناء الدُشم والحوائط الرملية امام المنازل. كان الجميع يتحدث عن الحرب وقتل اليهود. كانت الملصقات فى الشوارع تتحدث عن اجتياح قريب لتل ابيب ورؤوس يهودية معلقة فى الهواء. كان جو بيساح فى بداية تعليمه الجامعي حيث كان طالباً للهندسة الإليكترونية انذاك واخفى عن جميع اصدقائه وزملائه انه يهودياً. كذلك كان بينه وبين ابنة عمه ريمي قصة حب قوية كانا يطمحا ان تتم بالزواج. ساء الوضع بكثير بعد بداية الحرب ونهايتها والتى لم تستغرق سوى ستة أيام كانت كفيلة بتحطيم المارد العربي وتحطيم كل ما تبقى من معاندة جمال بعد الناصر. عندها فقط قررت الدولة المصرية ان تتعامل بشكل خاص مباشرة مع بضعة ألاف اليهود المتبقيين الاغبياء والذين لم يفهموا الرسائل الواضحة بعد 1948 و1956 وقامت الحكومة باعتقال كل الذكور اليهود وترحيلهم إلى سجني ابوزعبل وطره. وهكذا تم القبض على جو بيساح واخيه وابن عمه وترحيلهم الى سجن ابوزعبل. يبدو ان هناك صعوبة شديدة لدى جو فى الحديث عن ما حدث له وأقاربه فى أبوزعبل ولكنه يذكر الضرب والتعذيب وكذلك سجنه فى نفس المكان مع الإخوان المسلمين. لم اريد ان اخبر جو انني اعلم جيداً عما حدث فى ابوزعبل فأنا اعلم عن الاغتصاب والتعذيب والقتل والصلب والحرمان من الماء والنوم. قال جو ان التحدي الأكبر الذى كان لديه هو ان يحافظ على سلامته العقلية لذلك كان يحاول ان ينفصل عما يحدث بكل الطرق. ساعده على ذلك هو مجئ الضباط اليه من وقتاً لاخر لإصلاح الراديو أو لأخيه لكتابة روشته بدواءً ما. كان ذلك يذكره بانهم اشخاصاً لهم عالم اخر حقيقي موجود بالخارج غير كل ذلك الظلام. فى منزلهم كانت ريمي بيساح ابنة عمة جو وخطيبته تنهار حزناً على جو وهى لا تدرى ما تفعل. فى النهاية قررت الزواج من جو وهو داخل السجن لتشجيعه واعطاءه أمل يصمد من أجله، وبالفعل اخذت كل المستندات الرسمية هي ووالدتها وقاموا بملئها فى مكتب احد الضباط بسجن ابوزعبل والذى سمح لجو بيساح بالتوقيع عليها فيما بعد. بعد بضعة اسابيع تم الإفراج عن جو بيساح بعد أن -كسائر اليهود- وقع تنازلاً عن جنسيته المصرية وكل ما يملك داخل مصر، وتم إعطاءه مهلة 24 ساعة للرحيل ووثيقة سفر تصلح للخروج فقط. يحكي لي بيساح كيف كان متلهفاً على ان يقضى ذلك الوقت مع ريمي ولكن اهله كانوا متلهفون لإخراجه من البلاد ووعدوه ان ريمي ستلحقه. والفعل غادر جو بيساح الى باريس ولحقته ريمي بعدها بثلاث أيام حيث مكثا بضعة اشهر ثم غادروا إلى الولايات المتحدة حيث استقروا مع باقى القراؤون فى سان فرانسيسكو وتبعهم فيها بعد افراد اسرتهم.

بعد هزيمة مصر وسوريا والأردن فى حرب الستة أيام عام 1967. قررت الحكومة المصرية التخلص نهائياً ممن تبقى من اليهود المصريين. قيل ان القادة العرب طلبوا ذلك من عبد الناصر بشكل شخصي فى قمة الخرطوم ولكن ليس هذا اكيداً. قامت السلطات المصرية باعتقال جميع الذكور اليهود الموجودن فى مصر وتم إيداعهم سجون طره وابوزعبل حيث استمر اعتقالهم تحت ظروف مهينة تخللها التعذيب الجسدي والاغتصاب لبضعة اشهر قبل ترحيلهم جميعاً إلى خارج البلاد بعد تنازلهم عن الجنسية المصرية. بحلول عام 1970 كان تبقى فى مصر 400 يهودياً معظمهم من القرائيين.

يتحدث جو بألم عن الكثير من الأشياء، عن ذكرياته الطيبة فى مصر ولماذا لم تدم. سألت جو عن علاقة القراؤون بإسرائيل والصهيونية فأجاب بأن القراؤون لم تكن بينهم وبين الصهيونية اي علاقة حيث ان الصهيونية أنتجها "اليهود التانيين" وليس اليهود القراؤون. عندها ذكرت له موشيه مرزوق القرائي الذي كان يعمل لصالح إسرائيل فى مصر وعندها قال لى جو منفعلاً "اسمع يا استاذ، دلوقتى فى واحد من عيلتك حرامي، ينفع اقول عليكم عيلة حرامية؟! أكيد لأ، أزاي جاي تحاسب القرائيين كلهم على واحد، ده هو موشيه مرزوق كان واحد مفيش غيره، ازاي تدفعنا كلنا التمن؟!" قررت أن أغير الموضوع وان اتحدث عن الولايات المتحدة. اخبرني جو ان عند وصولهم للولايات المتحدة لم يخبروا أحد انهم قراؤون ولكن يهوداً فقط حيث كانوا يخشون ان يعاملهم اليهود الربانيين فى أمريكا بشكل سئ بسبب ذلك خاصة وقد اعتاد القراؤون فى مصر توتر العلاقات بينهم وبين الربانيين. ولكن فوجئ القرؤون فيما بعد ان الأمريكيون مهتمون للغاية للتعرف على القرائية وتراثها وثقافتها ويعتبرونها شيئاً نادراً وحينئذ قرر القرؤون اعادة تنظيم الطائفة بشكل يماثل تشكيلهم فى مصر. وبالنسبة للزواج كان الامر صعباً فى البدء حيث ان التقليد الجاري منذ ألف عاماً بين القراؤون والربانيون فى مصر هو الفصل التام فى الزواج بين الطائفتين ولكن مع ظهور الجيل الثاني من القراؤون فى الولايات المتحدة كان من الصعب اقناعهم بالزواج من قراؤون فقط حيث لا يوجد قدر كافى من القراؤون وهكذا قررت الطائفة التسامح مع فكرة الزواج من اليهود الربانيين وقد ساعد على ذلك التسامح العام الذي يتسم به ايضاً يهود الولايات المتحدة.

ريمي وجو بيساح


إيلي موسى
إيلي موسى شخص هادئ للغاية. كان إيلي مهندساً صغير السن وبارع للغاية. لم تعني السياسة يوماً إيلي بأي شكل ما، وكان يعتبر حالة العداء الشديد لليهود التى اجتاحت المجتمع موجة عبثية من تلك الموجات التى تمر بمصر من آنً لآخر، ولذلك قرر إيلي البقاء فى مصر على أمل ان تتحسن الأحوال بمرور الوقت.  يعتبر إيلي نفسه محظوظاً للغاية حيث تم أختياره فى عام 1960 ليشارك فى بناء السد العالى. عندما بدءت موجة عام 1961 للتخلص من اليهود المتبقين فى الهيئات العامة كان وضع إيلي غريباً حيث كان يشارك بشكل حيوي فى المشروع الناصري القومي ولا يمكن التخلص منه لذلك تم الإبقاء عليه. بعد إندلاع حرب 1967 وصدور أوامر بإعتقال جميع الذكور اليهود المتبقين فى البلاد، قامت السلطات بالقبض على إيلي فى موقع عمله بأسوان وتحفظت عليه بضعة أيام، ثم تم أصدار قرار عودة إيلي إلى عمله مع التحفظ الدائم عليه من قبل الشرطة العسكرية. وبالفعل أستمر إيلي بالعمل فى السد العالي لمدة عامان وهو تحت التحفظ، وقامت الشرطة العسكرية بتأجير شقة له يقيم بها بشكل دائم معه ضابط جيش، ويصحبه ذلك الضابط من وإلى العمل وإلى اي مكان أخر. انتهى بناء السد العالى عام 1968 وفى عام 1969 قررت إدارة بناء السد ان إيلي لم يعد ضرورياً فقامت السلطات بمنح إيلي مبلغ 200 جنية وتذكرة سفر إلى ألمانيا وتم إجباره على توقيع اقرار التخلي عن الجنسية المصرية والمستحقات المالية. غادر إيلي إلى سويسرا ومنها كغيره من القراؤون إلى سان فرانسيسكو.



يتبع ..

No comments:

Post a Comment