Pages

Thursday, August 29, 2013

دولة السوق والمواطن الزبون (1) التحول من بلد الى بيزنس

عندما سُئل بيل جيتس عن الرأسمالية قال "الرأسمالية نجحت بشكل ممتاز، من يريد أن يهاجر إلى كوريا الشمالية فليتفضل." لا شك أن رأى بيل جيتس كان سيتغير كثيراً لو كان أقل حظاً. لو كان مثلاً عاملاً فى احدى مصانع ديترويت التى تم اغلاقها ووجد نفسه فجأة بلا مآوى أو دخل مع ثلاث اطفال. او لو كان وُلد صينياً يعمل فى احد خطوط التجميع بمصنع لعب اطفال فى مدينة شينزن ويتقاضي خمسون سنتاً فى الساعة. قال بيرنارد راسل يوماً "ان المدافعون عن الرأسمالية دائماً ما يتشدقون بالمبادئ المقدسة للحرية والتى يمكننا تلخيصها فى مقولة واحدة: لا يجب منع المحظوظ من الطغيان على الأقل حظاً."

يمكننا بشئ من التأكيد البديهي ان نقول ان القابعون فى اعلى السلم الإقتصادي سيتفقون تماماً مع بيل جيتس حول نجاح الرأسمالية، وكذلك لاشك ان القابعون فى اسفله سيختلفون معه تماماً. وربما فى تلك النقطة سيتفق كلاً من الرأسماليون والماركسيون، ان الإنسان تحركه بالطبيعة منفعته المادية المباشرة والبقاء للأكثر برجماتية. ولكن، إذا كانت اقتصاديات السوق تحمل مبادئ المنافسة وتساوي الفرص وتُقدم نفسها بإعتبارها لُعبة عادلة تتطلب فقط مزيج من الذكاء وبعض الحظ، فلماذا يسخط الأقل حظاً على تلك اللعبة؟ سيدعي اولئك الأكثر حظاً ان هذا من باب الحقد والحسد، وقد يتمادى بعضهم -وقد فعلوا- ويذكر الظلم الفادح الذى يتعرض له الأغنياء المقهورون من الفقراء قساة القلب معدومي الضمير الذين لا يساهمون فى المجتمع كما يساهمون هم الأغنياء اصحاب القلوب الرحيمة. وقد يدعي بعض الرأسماليون القادحين ان ذلك من السجايا الحسنة الرأسمالية، حيث ان اقتصاديات السوق تتطلب مناخ تنافسي قاسي لا تسمح الا بنجاح البعض.
لنبتعد الأن عن صراع البقاء هذا ولنذهب سوياً للسلطة المحايدة التى من المفترض ان تكون الراعى لهذا الكرنفال الدارويني الشرس: الدولة. ليس لدى شك ان ماكس فيبر عندما تحدث عن المؤسساتية ودولة المؤسسات، كان يخاطب واقعاً ملموساً ممتداً من أوروبا حتى الولايات متحدة. ولكن فى نفس الوقت تراودني الكثير من الشكوك حول افكار المؤسساتية الجديدة التى طُرحت فى فترة ما بعد العالمية الثانية اثناء تجليات ما بعد الحداثة. انتشر مصطلح المؤسساتية على نطاق واسع فى السبعينات من القرن الماضي بالتزامن بداية الاضمحلال العالمى للاتحاد السوفيتي وترسيخ الولايات المتحدة لصورتها كدولة قوانين ومؤسسات بيروقراطية لأمة من الطبقة الوسطى وتقوم بدور الحارس لقواعد واصول السوق الحر. كانت تلك هي الصورة الذاتية الأمريكية منذ الخمسينات، وكانت لوقتاً طويل مدعاة للفخر القومي الأمريكي مصحوبة بسيارات الكاديلاك وشخصيات ديزني. ولكن لم يعد الأمر كذلك بأي حال من الأحول، معظم الأمريكيون يعلمون فى قرارة انفسهم ان تلك الأيام قد انتهت منذ زمن طويل حتى ولو لم يعترفون بذلك. فلم يعد هناك دولة ولا مؤسسات، بل هناك فقط سوق وزبائن وقوانين العرض والطلب.
لقد غير هنري فورد قوانين السوق والمجتمع الرأسمالي فى العقد الثاني من القرن الماضي بإنتاج السيارات بشكل تجاري على نطاق واسع مصحوبة بزيادة أجور العاملين لأكثر من الضعف لكى يقتنى كل عامل من عماله سيارة. غير هنري فورد المجتمع الأمريكي تماماً برؤيته للمجتمع ككيان اقتصادي بالأساس وللأفراد كزبائن ومنتجين. كان فورد يرى ان الإنتاج وزيادة القدرة الشرائية للعمال سوف تخلق حراكاً اقتصادياً اكبر للسوق، وقد كان هذا صحيحاً. كان فورد ايضاً مناهضاً للحروب وللإتحادات العمالية بشكل قطعي، وكان يطالب بأن يتعامل العالم مع نفسه بإعتباره سوقاً يمكن حل جميع مشاكلة عن طريق تحقيق فائض ربح فى ظل مناخ تنافسي حاد يخضع لقوانين العرض والطلب.  لم تتبنى الولايات المتحدة رؤية فورد سوى بعد خروجها من العالمية الثانية، ونظر فلاسفة الرأسمالية لمجتمع الرفاهية القائم ليس على علاقات اجتماعية معقدة، ولكن على برجماتيات اقتصادية. وقد عبرت ثاتشر المرأة الحديدية عن ذلك عندما قالت "لا يوجد ما يسمى المجتمع، هناك فقط افراد". تزامناً مع ذلك، وفى ظل الرؤية النيوليبرالية للعالم، قامت الدولة شيئاً فشيئاً بالتنازل عن تركيبتها المؤسساتية وتبني صورة دولة الخدمات، وإحلال السوق محل المؤسسة، وقامت بحد دورها امام ديناميكيات السوق، وبدئت لعب دور الوسيط وأحياناً وكيل الأسهم ولكن كان دورها الأساسي هو حماية السوق ورؤوس الأموال الموجوده به واختزال المواطن الى زبون.

عندما شعرت دولة السوق بتهديد قوى من الشيوعية التى ارادت ان تقنع الزبائن بإنهم ليسوا فى الأصل زبائن، دخلت الولايات المتحدة فى عداء شديد مع الإتحاد السوفيتي. وهو العداء الذى هدد العالم بالإبادة النووية أكثر من مرة حتى نهاية الحرب الباردة. خلق هذا العداء كلاً من السيناتور الشهير جوزيف مكارثي وجي ايدجر هوفر. لقد نجحت المكارثية بشكل كبير فى ارعاب المجتمع الأمريكي من الشيوعية ومقاضاة اعداد كبيرة من الموظفين الحكوميين والشخصيات الثقافية ورجال اعمال، منهم تشارلي شابلن ونيلسون الجرين والبرت اينشتاين، بتهمة تآمرهم مع الشيوعية العالمية ضد السوق ودولة السوق. اليس هذا مضحكاً؟ ان تتخيل تشارلى شابلن ماثلاً امام لجنة تحقيق بها سياسيون غاضبون وجادون للغاية لإتهامه بالتآمر مع الشيوعية العالمية على السوق الحر؟

ربما يمكننا ان نلقى نظرة سريعة على النظام الأنجلو-أمريكي فى الرعاية الصحية لإستعياب شكل العلاقة بين الدولة السوق والمواطن الزبون. كانت خدمات الطوارئ والإسعاف فى الولايات المتحدة حتى أوائل الثمانينات من القرن الماضي تُقدم بشكل رئيسي من بلديات المُدن مصحوبة ببعض المساهمين القليلين للغاية من القطاع الإستثماري. فى الثمانينات تم تغيير نظام الطوارئ تماماً ليعتمد بشكل تام على القطاع الإستثماري دون اى خدمات من البلديات حيث يقوم المريض بتحمل الجزء الأعظم من النفقات. ويختلف نظام حساب سعر سيارة الإسعاف على حسب قوانين المقاطعة، فهناك مقاطعات تحاسب المرضى بسعر ثابت ومقاطعات أخرى تعمل بنظام سيارات الأجرة فى تحصيل الأجر طبقاً للمسافة. وطبقاً لإحصاء مستقل فى 2011 فإن متوسط سعر طلب سيارة إسعاف للمريض هو 1.099 دولاراً أمريكياً غير متضمناً ثمن الخدمات الطبية المقدمة. ولحماية المرضى اصدرت الحكومة الفيدرالية قانوناً يُلزم الجهات الطبية بتقديم خدمات الطوارئ فوراً لأى مريض مع تطبيق نظام الدين على رقم الضمان الأجتماعي للمريض. ويمكنك ان تجد على الشبكة بعض المقالات التى نصح كاتبوها المرضى ان يمسكوا بورقة وقلم قبل ان يمسكوا بسماعة الهاتف لطلب الإسعاف ويقومواً بحساب دقيق حول إذا ما كان يمكنهم تحمل نفقات الإسعاف ام لا.
لقد كان نظام الرعاية الصحية الأمريكية محل جدال اقتصادي وسياسي كبير منذ السبعينات، ولم يسلم رئيس أمريكي من التعامل مع أزمات الرعاية الصحية. وكان ملف الرعاية الصحية هو الملف الأول للرئيس أوباما عندما قام بترشيح نفسه لفترته الأولى، وقد انتصر فى معارك تشريعية كبرى من أجل تعديل قوانين الرعاية الصحية حتى تشمل مظلة الرعاية الصحية جميع المواطنين. سوف يتم تفعيل قانون اوباما للرعاية الصحية العام القادم، ولكن حتى الأن لا يوجد لدى احد فكرة عن الشكل التنفيذي. نحن نعلم مسبقاً ان النظام الجديد ايضاً سيعتمد بشكل شبه حصري على القطاع الإستثماري حيث سيكون كل مواطن مُلزم قانوناً بشراء باقة تأمين صحي من احدى الشركات الموجودة بالسوق، ولكن تفاصيل ذلك التى مازال يتم العمل فى صياغة الوصلات القانونية النهائية غير معلومة.
فى جدال الرعاية الصحية الأمريكي، سيدعي أصوليو الرأسمالية ان على الدولة ان تترك الخدمات الصحية تماماً للسوق دون تدخل، حيث ان اى تدخل سيعبث بموازين السوق وقواعد المنافسة التى يجب ان نثق بها فى ان تخرج لنا بالأصلح. على الجانب الآخر ستجد هؤلاء الذين يعرفون انفسهم بالليبراليون الإجتماعيون سيردوا على إستحياء ان موضوع الرعاية الصحية على قدر من الاهمية تمنعنا ان نتركه تماماً للسوق. ولكن فى الواقع فإن قانون أوباما للرعاية الصحية لم يقم بإخراج الخدمات الصحية من السوق على الإطلاق، بل ان كل ما فعله هو ضمان تحول جميع المواطنين إلى زبائن. سوف يرى البعض ان فى هذا تخلى للدولة عن دور رئيسي تجاه المواطنين، ولكن الأمر ليس كذلك، فالدولة لم تعد سوى سوق وكل مواطن هو زبون محتمل.

لم يكن نظام الرعاية الصحية فقط هو من تحول إلى نظام إستثماري ربحي، ولكن ايضاً خدمات الأمن والتعليم والخدمات العسكرية. ارتفعت تكلفة التعليم الجامعي فى الولايات المتحدة بنسبة 400% منذ الثمانينات حتى الأن كما تحول نظام التعليم المدرسي إلى نظام إستثماري تشرف وتنفق عليه الدولة دون تدخل وتحول النظام التعليمي عامة للإعتماد على المؤسسات الإستثمراية الإحتكارية. ولا اعتقد انها صدفة ان الترتيب العالمي التعليمي للولايات المتحدة قد انخفض من الثمانينات حتى الأن لتصل للمركز 17 تعليمياً بشكل عام طبقاً لإحصاء 2012، وانخفض ترتيبها فى الرياضيات الى المركز 25 وفى العلوم الطبيعية الى المركز 17. اعتقد ان هذا ما يحدث عندما تحول الطلبة والتلاميذ الى زبائن.

الحكومة الفيدارلية والحكومات المحلية تعتمد ايضاً على القطاع الإستثماري فى قطاع كبير من الخدمات الأمنية. واحدة من الشركات الموفرة لتلك الخدمات كانت شركة بلاك ووترز صاحبة الفضيحة الشهيرة فى حرب العراق حيث تم الكشف عن جرائم قتل وتعذيب العشرات من المدنيين العراقيين على ايدي مقاتلي الشركة والذي استأجرهم الجيش الأمريكي. فى سبتمبر 2007 قامت الحكومة العراقية بإحالة ملف الشركة لمحكمة الجنايات للتحقيق فى جرائم بلاك ووترز ولكن قامت وزارة الخارجية الأمريكية فى أكتوبر لنفس العام بمنح الشركة الحصانة من الملاحقة، فقامت الحكومة العراقية فوراً بسحب اي حصانة لأى موظفين اجانب بشكل رسمي من اجل تمكين المحكمة من ملاحقة الشركة ولكن الحكومة الأمريكية سارعت بسحب الشركة من العراق لإنقاذهم من المسائلة. لا يتوقف إستخدام دولة السوق للخدمات الإستثمارية عند المقاتليين الإستثماريين (التعبير التقليدي الأقدم هو: المرتزقة) فقط، ولكن ايضاً تستخدم القطاع الإستثماري داخل الولايات المتحدة. تعتمد المؤسسات الإستخباراتية الأمريكية الأن على القطاع الإستثماري بشكل كبير. وهناك شركات عملاقة مسؤلة عن تزويد المخابرات المركزية وجهاز التحقيق الفيدرالي بخدمات المراقبة وتحليل المعلومات. كذلك الحكومات المحلية للولايات والمقاطعات تستخدم الشركات الخاصة فى خدمات التأمين والتحقيق والمرور. وعلى سبيل المثال قام جدال قانوني كبير على مدار العقد الماضي حول استخدام البلديات لشركات خاصة فى مراقبة الطرق ومخالفات المرور، حيث تحولت مخالفات المرور إلى نشاط تجاري مربح للغاية للعديد من الشركات.  وفى عام 2011 استطاع المصوتون فى عشرات المدن الأمريكية من ايقاف استخدام كاميرات مراقبة الطرق نهائياً حيث استغلته شركات انظمة المراقبة مثل شركة زيروس  وايه سي اس وايه تي اس فى توريد عائد تجاري ضخم على حساب المواطنين عن طريق مخالفات المرور.

دولة السوق تعرض ايضاً على زبائنها خدمة اخرى رائعة منقطعة النظير وهي سجون القطاع الإستثماري. أجل يا عزيزي، الحكومة تدفع لشركات خاصة من أموال دافعى الضرائب الزبائن من أجل سجن هؤلاء الزبائن المشاكسين. كانت الولايات المتحدة على مدار القرن الماضي تستخدم القطاع الإستثماري فى توريد بعض خدمات المؤسسات الإصلاحية مثل الخدمات الطبية والنظافة والخدمات الغذائية. ولكن مع مطلع ثمانينات القرن الماضي وتزامناً مع التحول الشامل من دولة المؤسسات لدولة السوق، بدأت الولايات المتحدة استخدام سجون مملوكة ومُدارة بالكامل عن طريق القطاع الخاص. بدء الأمر عام 1984 فى ولاية تينيسي عندما تولت شركة كوريكشن كوابوريشين اوف امريكا عقد ادارة سجن مقاطعة هاميلتون، ثم لحقتها باقى الولايات فى التعاقد من شركات قطاع خاص إما لإدارة السجون الموجودة بالفعل او لإرسال السجناء لسجون انشأتها خصيصاً شركات القطاع الإستثماري. وتقوم الحكومة بالدفع للشركة شهرياً عن كل رأس. ولكن لا يوجد سعر محدد للسجناء، بل يختلف السعر على حسب مدي خطورة السجين ومدته. ومثل عقود الإيجار المدنية، ينخفض سعر كل سجين كلما طالت مدته، فلو هناك السجين أ، تقوم الحكومة بدفع مبلغ شهري أقل عن أ لو تعاقدت مع السجن على مدة أطول. وتقوم طريقة الحساب هذه على مبادئ المنفعة طويلة الأمد لكلا الطرفين المتعاقدين، حيث من مصلحة الحكومة والسجن اعطاء أ مدة اكبر. وعلى سبيل المثال ففى عام 2008 قامت شركتا كوريكشن كوابوريشين اوف امريكا وشركة جي اي او بتمويل ودفع الإقتراح رقم 6 لعام 2008 لقانون العقوبات فى ولاية كاليفورنيا والذى بموجبه تم زيادة سنين عقوبة العديد من الجرائم وكذلك إضافة عقوبات سجن جديدة لجرائم جديدة. كذلك فى عام 2012 قامت شركة كوريكشن كوابوريشين اوف امريكا بتقديم عرضاً رسمياً لـ48 ولاية بشراء جميع السجون العامة مقابل ان تضمن الولايات بقاء نسبة اشغال 90% فى السجون لمدة 20 عاماً.
تطور وتضخم قطاع السجون الخاصة فى دولة السوق بشكل مبهر منذ الثمانينات واصبح مجالاً تجارياً مربحاً للغاية لدرجة ان العديد من القضاء اختاروا استثمار مدخراتهم فى سجون القطاع الخاص الموجودة فى منطقة سلطتهم القضائية لتدر عليهم ربحاً يؤمن لهم حياة رغدة فى اخر ايامهم. واستطاع هؤلاء القضاة ضمان استمرار ارباحهم عن طريق ارسال عدد اكبر للسجن. مثل كلاً من فخامة القاضي مايكل كوناهن والقاضي مارك سيفاريلا اللذان امتلكا حصص كبيرة من سجن دينفر فى بنسلفانيا والموجود فى مقاطعتهم القضائية حيث قاما بإرسال اليه أكثر من 8000 مراهق فى بضعة اشهر حتى تم القبض عليهما.

اليس هذا امراً مبهراً للغاية؟ ان يقوم بعض الموظفون الإستثماريون بسجنك والتحكم بك بناءً على عقد تجاري مبرم بينهم وبين الحكومة؟


يمكننا ايضاً الأن التحدث عن الخطة الأمريكية للتوقف عن رصف الطرق والشوارع واقامة المتنزهات حيث سيتم تركها تماماً للقطاع الاستثماري، وعندها سيتوجب على كل مواطن زبون دفع رسوم مروره من اي طريق للشركة صاحبة حق الإنتفاع. ثم يمكننا العودة للتحدث عن بيل جيتس وكوريا الشمالية.

يُتبع..

No comments:

Post a Comment