Pages

Thursday, June 6, 2013

يهود ناصر: حول هؤلاء اليهود فى أبوزعبل والسادية المصرية -من ملفات اليهود المصريين-



. فى ذكرى 5 يونيو 1967، يتذكر البعض الهزيمة ويحتفل آخرون بالنصر ولكن قليلون من يتذكرون مآساة هؤلاء القابعون فى طى النسيان. بعد الحرب التى اندلعت بين مصر وإسرائيل فى 1967، قامت الحكومة بالمصرية بإلقاء القبض على آخر ما تبقى من اليهود المصريين حتى يتم طردهم من البلاد. واحد من هؤلاء والذى ترك القاهرة فيما بعد إلى باريس، قام بكتابة ما رآه فى تلك الأيام على صورة خطاب تم نشره فى جريدة لى أكسبريه الفرنسية فى ديسمبر 1967. حتى اليوم يظل الكتاب مجهولاً ولكن الحقيقة ليست كذلك. 
.من الصعب للغاية كتابة اي تعليق على هذا الخطاب لذلك سوف اتركه لك

P.S The English translation is also available on this blog.






هذا الرجل الذي يضع على رأسه كاسكيت أحمر اللون ويرتدي الزي العسكري الكاكي، ذو الوقفة البريطانية والذي يبدو انه يؤدي دور الظابط. حينما يمر الرجل بالزنازين في سجن القلعة يقف له الرقيب وكافة رجال الشرطة والمسجونون، وحتى عامل القهوة في حالة استنفار. فهو في الواقع احد كبار الضباط الذي اراه منذ ان جرى القبض على وإيداعى معتقل "أبو زعبل"، بعد أن وضعت حرب السويس أوزارها. لقد أصدر هذا الرجل الأمر بالإفراج عنى بعدما احتفظ في جيبه بكل من جواز السفر وتذكرة الطائرة الخاصة بى.
فتحت ابواب القلعة امامي حيث خرجت حراً في الهواء الطلق، وأشاهد القاهرة أمامي والتي لم يطرأ عليها أى تغيير وكأنما لم يحدث شئ ما. هناك أطفال يلعبون كرة القدم في عرض الطريق العام، كما يلقى الراديو علينا بأعلى ما لديه من صوت أخبار وأحداث. كانت الأتوبيسات تمر عبر شوارع المدينة، تطلق من جوفها عند كل عطفة، مجموعات من الرجال والنساء الذين يتناثرون على الأرصفة. عندئذ شاهدنا انا والضابط أحد بائعى الصحف يرفع الصحيفة عالياً أمام المارة وهو يصيح بأعلى صوت: "الخونة!" إنهم المسئولون عن الهزيمة الذين سوف تتم محاكمتهم. وعلى أحد الجدران أمامى أرى عبارة شبه ممسوحه تعود إلى ما قبل الأحداث: "قريباً سوف نفتتح فرعاً لهذا المحل في تل أبيب".
اتجهنا نحو التاكسى الوحيد المنتظر في الموقف، نظر السائق إلى معصمى وابتسم لى اتسامة عريضة، وأخذنا نتموج يمينا ويسارا في نفس اتجاه الخط العربى.
لا شئ يجعلنا في عجلة من الأمور بعد الآن، فقد كان أمامي ما يكفى من الوقت كما كان الحال ايضاً في الماضى. إننا الآن في درب اللبانة، ذلك الحى القديم الذى كان يضم بين جدرانه العديد من الكتاب والفنانيين جاءوا إله قادمين من كافة انحاء البلاد. إن هذا الحى والمركز الذي يضمنا جميعاً. إنه يعنى بلوغنا سن العشرين. يربت الضابط على ركبتى ويقول لى "معلهش" مما يجعلنى أتساءل ماذا كان سيقول لى لو تمت مقابلتنا في سجن أبو زعبل.
أعلم أنه كان يجب أن تدور عديد من الأمور بطريقة مختلفة، وهو ما كان يتطلب القليل: قليل من الحظ مع بعض المصادفات حتى تأخذ الامور مساراً آخر. أيا ما كان الأمر، فكل شئ على ما يرام، حيث أصبحت تضم مصر منذ هذا الصباح مصرياً أقل، وذلك من دون أن تطلق إسرائيل طلقة واحدة من سلاحها.. وهو ما يذكرني بقصة أرثر مايير غداة مبارزته مع درومون فهل كان يلزم إندلاع حرب لإخراجي من هنا.. كل شئ يحتاج إلى إعادى، وليس من السهل ان تكتشف بعض مضى 30 عاماً من عمرك أن كل الإمكانيات التي تخيلتها ليست سوى شوارع مسدودة. امتنعت عن الرد على كلمة الضابط التى قالها لى خشية ان تؤدي أية نبرة فى صوتى، او كلمة زائدة، إلى غلق آفاق المستقبل الذي يلوح أمامى، والذي سينطلق للخلف كلما تقدمت نحوه.
تم القبض على في 25 يونيه بأمر صدر تليفونياً، المتصل بس هو الضابط كمال داوود من المباحث العامة، وذلك في يوم الجمعة 23 يونيه. حدد لى موعدا للقائه في الساعة الواحدة بعد ظهر اليوم التالى، وقد انتظرته بالفعل، ولكنه لم يحضر، فاتصلت به مساء يوم السبت واتفقنا على ان نتقابل في اليوم التالى.
صباح يوم الاحد، قبل التوجه كالعادة إلى النادى، ذهبت إلى القلم السياسى. كان هذا الضابط في إنتظارى، واحسست بالغريزة انه سوف يلقى القبض على. أخذ ينطلق في الضحك ملقياً المثل القائل "ابدء يوم الأحد"، ثم تساءل في تهكم "منذ متى كان القبض على الناس تليفونيا؟". قدم لى فنجانا من القهوة وسألنى إذا كان بوسعى تقديم الدليل على انى مصرى الجنسية، وعندما جاء ردى يجابياً كان تعليقه انه لابد ان لدى شهادة إثبات جنسيتى المصرية. هنا شعرت بنوع من الانتصار لأن حيازة شهادة إثبات الجنسية هي الدليل على أن مالكها لم يكن على الدوام مصريا. لقد كنت مصريا قبل ان تولد مصر نفسها، عندما كان الجميع لا يزال عثمانيا، ومن ثم لم يكن  من شأنى ابداً أن اقدم اي دليل على ذلك لان المصريين الحقيقيين هم مصريون واقعا، كما كان الوضع تماماً مع الهنود الحمر الذين هم الأمريكيون الحقيقيون.
عندئذ قال الضابط إنني حقاً من هذا البلد، ثم استأذني ليغيب بعض الوقت، وأخذ يرتدى سترته العسكرية.. واخيراً وجدت نفسى بعض قضاء ساعة من الزمن في صحبة احد اليهود من اعضاء مجلس الشيوخ المهووسون بفكرة الطعام الكاشير الحلال اليهودي، كما لحق بنا يهودى من كبار الملاك العقاريين، بينما يقودنا ثلاثة من رجال الشرطة فى سيارة حكومية قديمة للغاية سلكت الطريق بصبات من يعرفه معرفة جيدة.
وعندئذ صاح عضو مجلس الشيوخ قائلاً "سوف تتعطل تلك السيارة قبل مرور عشر دقائق، إننى أعرف ذلك جيداً". كان قد سبق أن أجريت حديثاً صحفياً مع هذا الرجل المتقدم في السن عندما كانت القاهرة تتجة مباشرة إلى الظلام الحالك. منذ الثورة، كان يتم اعتقاله في جميع المناسبات، ولكن-كما هو الحال في هذه المرة- بعد وقوع الأحداث. تم القبض عليه فى عام 1948 بعد الاتفاق الرابع لوقف اطلاق النار. وفى عام1956، قبض عليه ليلة رأس السنة، وظل في السجن حتى مشارف عام 1957. كان على علم تام بما يدور فى السجون، ويعد سجن أبو زعبل من سجون النجوم الثلاثة فيما يتعلق بالتعذيب. كما لم تعد الأمور على ما كانت عليه فيما قبل فى كل من ليمان طره وسجن القناطر وسجن القلعة. لم يكن يعرف معتقل الواحات ولكنه يعلم انه يتم بناء سجن جديد في وادى النطرون. وراح يقول: "سوف يصر الوضع كما هو عليه في المؤسسات العامة، وفى الخطة: آي العودة للعصور الوسطى، والفوضى داخل أبنية جميلة حديثة".
هنا تتعطل السيارة وحيث أن أيادينا لم تكن مقيدة بالحديد، نزلنا أنا وعضو مجلس الشيوخ واخذنا بدفع السيارة الى الأمام مع رجال الشرطة الثلاثة الذين وضعوا بنادقهم ارضاً في حراسة المالك العقاري للقيام بتلك المهمة..حتى انطلقت السيارة مرة اخرى.
يقول لى عضو مجلس الشيوخ هذا أنه لا يجب ان أقلق كثيراً لانها مجرد لحظة صعبة مستمرة، كما يضيف أن ما يحدث له طابع مصرى متسق تماماً لأنه يتسم بالعبثية الخالصة. فهو يرى اننا عبثيون تماماً مثلما يتسم الفرنسيون بالعقلانية، فالعبثية هى حياتنا وأرضنا المجيدة.
أراه يتوتر كثيراً وينهرنى حينما أقول "ما أهمية اعتقال 350 يهودياً وذات العدد من المسلمين وبعض المسيحيين في 5 يونيه مقارنة بالكارثة الكبرى التي وقعت للبلاد؟"
يشتد هياج الرجل وهو يؤاخذني عما قلت: "ما صلة ذلك بالكارثة؟ ما الصلة بين سجناء الحرب، واللاجئين، والمواطنيين الذين يقال لهم انهم مثل الاخرين وهم كذلك حقاً؟ هناك ضباط قرروا –قبل 5 يونية- القبض على الناس لأنهم يهود أو ناس مشاكسون مثلى، أو لانهم بهائيين أو من شهود يهوه؟ سوف ترى أننا سنظل هنا، ولن يتحرك أحد من أجلنا، وسيقع على الصليب الاحمر وبعض السفراء العمل معا من أجل إنقاذ عبد الناصر من تلك الورطة التى وقع فيها".
هنا يؤكد المالك العقاري الذي يرافقنا على ما يقوله عضو مجلس الشيوخ. انه يعرف تماماً اليهود الذين لا يزالون في مصر، انهم ظلوا فيها لانهم مصريون، وكان لا ينبغى تركهم احراراً وفقاً لقواعد الفاعلية والواقعية السياسية. فمن المعروف انه في مجال السياسة، حينما لا يتحتم قتل العدو، عليك ان تغرقه باهتمامك. اتعرفون ما يقوله الشعب منذ القبض على اليهود؟ يقول ان اليهود الوحيدين الذى تمكن عبد الناصر من القبض عليهم هم اليهود المصريون. ثم أضاف "إللى ما قدرش على الحمار قدر على البردعة".
قص علينا عضو مجلس الشيوخ كيف ان سوريا والعراق كانا قد طلبتا من جمال عبد الناصر من خلال جامعة الدول العربية بالتخلص من هؤلاء اليهود، وقد وعد عبد الناصر بذلك. ومن المفارقات ان انزعاجه منهم يعود الى ذلك الحين، فهو متوتر من أولئك اليهود الباقين، الذين يدعون عدم فهم الرسالة ولا يريدون ان يفهموا أن وجودهم غير مرغوب فيه. لا يرغب اليهود في المغادرة؟ فلنضعهم في السجن الذى اصبح كالمجارى التى تلقى فيها السلطات كل ما تريد التخلص منه. لا شك ان هذا دليل اخر على عجز النظام.
عندئذ نسمع المالك العقارى يستائل لماذا علينا ان نخص بالسخط رجال الشرطة دون غيرهم من المؤسسات مثل هيئة البريد، والصناعة، وشبكة المجارى التى هى فى أسوأ الأوضاع. إنه يعتبر القبض على الناس يعود إلى نزوع السلطة إلى السيطرة، وهو من خصائص العاجزين. تلقى لنا عمليات القبض العشوائية تلك الضوء على مغزى حرب الأيام الستة، أكثر مما تستمد تفسيرها من تلك الحرب.
معنا محاسب يهودى يتساءل إذا كان ستتوافر له فى أبو زعبل إمكانية الحصول على الطعام الكاشير الحلال اليهودى مما يدفع عضو مجلس الشيوخ إلى رفع اكتافه. يقص علينا احد الجنود الإسرائيليين الذين يسميهم اليهود، انهم كانوا قد فتحوا ابواب ليمان الطور عندما اجتاحوا سيناءـ وهو الليمان الذى اعتقل فيه شقيقه لمدة عشر سنوات بسبب اتهامه بالانتماء الى جماعة الاخوان المسلمين.
يظهر الليمان امامنا فجأة وهو ملتصق بالأرض الخصبة، البناية عبارة عن مكعب فحمى تتخلل حوائطة القضبان الحديدية.
عندنا نتأهب للدخول للسجن، يتقدم إلنا احد الضباط ضاحكا، وذراعه ممتدة إلى الأمام، قائلاً "أهلاً وسهلاً" أرد عليه التحية ثم أسمع صوتاً صارخاً، صوتى انا. جلس عضو مجلس الشيوخ والمالك العقارى على الأرض، وهما يخلعان ملابسهما بينما يصفق فوق رؤوسهم سعف النخيل. وهنا يقوم احد الضباط بضغط ظهرى الى القضبان الحديدية سائلا عن اسمى الذى اتفوه به فاذا به يطبق على رقبتى، فلا احد هنا يحمل اسماً، هنا لا مكان للأحذية، ولا للأسماء، ولا لساعات اليد، ولا أحد من حقه ان يحمل مجرد لقب، كل ما مسموح به هنا هو اسماء نساء.
يصيح ضابط آخر آمراً، فنهرول في حلقة مفرغة حتى يقوم الضابط الذى اهتم بآمرى بالعمل على أن نقع فوق بعضنا البعض، فتتهاوى علينا الركلات وضربات سعف النخيل. نعاود الجرى، والحق ان عضو مجلس الشيوخ اسرع منى، ولكننا اصبحنا متساويين في الجولة الثانية، إنه يحاول ان يقول لى شيئاً ولكنه لا يستطيع ذلك لأن طاقم أسنانه قد انتقل من مكانه.
بعدئذ، يسألنا الضباط إذا كنا نعرف ضباطاً يعملون في الطيران، ويستفسر عن الدخل الذى نحصل عليه، وهنا يفيده عضو مجلس الشيوخ انه يمتلك 1800 فدان تم وضعها تحت الحراسة، ومعاشا يبلغ 45 جنية، فيركله احد الضباط ويسألة "أنت مين؟" بدون تردد يجيب الرجل: "أنا زنوبة".
يقول انه يعرف كل تلك العادات، فقد كان في هذا السجن عام 1956. "وأنت أيه كمان؟" "أنا خول" ثم يوجه الكلام إلى: "وأنت؟" حينما أرد عليه إننى لا أعرف، يركلنى فى قصبة الرجل ويقول لى "أنت كمان خول، واسمك خدوجة". ثم يقوم هذا الضابط بتفتيشي، ويجد دخان السجائر الذى يفركه ببطئ على رأسى. يجئ أحد كبار السن ويقول بحلق رؤوسنا، ثم تبدء تبدء عملية التنكر بحيث أصبح منظرنا –بأقدامنا الحافية ورؤوسنا الحليقة، والسراويل الواسعة التى تتدلى عليها السترات الطويلة- كالكومبارس المكسيكيين الذين ضلوا الطريق. عندما أصل إلى بوابة الزنزانة اودع زنوبة، يهمهم الأخ المسلم الذى يوصلنى إلى زنزانتى "مش انتوا الخولات، كلنا عارفين مين الخولات بجد".
وعندما نلقى بنظرنا من خلف القضبان، نرى في الزنزانات المواجهة لنا من يوجهون إلنا الاشارات المبتذلة والقبيحة، وهنا يشرح زملائى لى ان تلك هي ابجدية أبو زعبل. ثم يسألنى زملائى ماذا يفعلون من أجلهم في الخارج، وما إذا كان الصليب الاحمر يعرف عن احوالهم. ابلغتهم ان الاسرائيليين على قرب من ابو زعبل، ولكن كل القاهرة تساند عبد الناصر حيث توجه كل نظرها نحو موسكو. وهنا يتسائلون اين الاسرائيليين على وجه الدقة، وعندما اجيب يضحكون بصوت عال ويقولون "انها علامة سيئة، سيئة جداً".
كل شئ له معنى لديهم، فعندما يقلل الضابط من ضربه، فإنما يكون لهذا مغزى معين، كما ان زيادة كميات الشوربة علامة جيدة. ويعتبر التزحلق في مراحيض المياة من افضل العلامات.
يقوم هؤلاء المعتقلون بتعليمي أسلوب التعامل في المعتقل، وكيف يتوجب وضع الرجل عند النوم، والأستفادة بقدر المستطاع من المساحة المتاحة على الأرض للنوم. ويوجهونني حول كيفية تفاتدى الاشتباك بأجساء الآخرين من النائمين بجوارك، وإعداد بطانيتي مع إستعمال الطبق الكبير كوسادة.
يعتبر هؤلاء المعتقلون وجودهم هنا طبيعياً. ويجب ان اكون شديد الحرص على ان لا اغضب الضباط الذين يتولون تربيتنا، فحينما يسألون "أين تظن انك موجود؟" على الإجابة حتى الثمالة أننى في بولندا، والتحلى بتعبير التائه، وربما التحدث باللغة البولندية إن أمكن، أى التفوه بكلام لا معنى له.
نسمع الآن صوت الأذان، إنهم الأخوان المسلمون الذين يسجدون ويركعون. هنا أيضاً نرى أطيافاً تركع وتسجد، كما لو كان الحائط عبارة عن مرآة كبيرة، من هذه الأطياف في زنازيننا؟ إنهم اليهود القراءون الذين يصلون ووجوههم موجهة ناحية مكة، حفاة الأقدام كالمسلمين.
بعد قليل حينما سينتهى المسلمون واليهود القراءون من الصلاة، سيبدء اليهود السفارديم والأشكيناز في الصلاة ووجوههم تتوجه نحو القدس. كل صباح، وكل مساء، وكل ليل، ينطلق النداء المستفز "شماع يسرائيل" الذى ينتقل من زنزانة إلى زنزانة. يدعى الضباط عدم السمع، بينما بتادل الاخوان المسلمون نظرات ذات مغزى مع المصلين.
حتى منتصف سبتمبر كان يوجد في أبو زعبل 350 يهودياً، 185 من بينهم قراءون، بينما كان أغلبية الآخرين سفارديم وأقلية أشكيناز. في شهر ديسمبر، لا يزال هناك مائتا يهودى، فقد نجحت تدخلات الصليب الأحمر وسفارتى فرنسا واسبانيا فى دعم الإفراج عن 150 يهودياً فيما بين يوليو ونوفمبر. بيد أن سفير أسبانيا اضطر إلى الرجوع لفترة محاكم التفتيش ليضفى على اليهود السفاردين أصولاً أسبانية وتزويدهم بجوازات سفر أسبانية، كما قامت فرنسا ايضاً بجهداً كبيراً في هذا الشأن.
بالإضافة إلى اليهود، كان يوجد في أبو زعبل 700 من الإخوان المسلمين الذين استمروا في هذا المعتقل فترات طويلة تتراوح بين خمس سنوات وعشر سنوات وصولا الى اثنتى عشرة سنة دون محاكمة او توجيه تهم اليهم. من هؤلاء الاخوان المسلمين من هم في سجن القناطر حيث يلقون معاملة قاسية للغاية. في شهر نوفمبر، تم الإفراج عن ألف من الإخوان المسلمين ومازال هناك 4500 منهم في السجون المصرية. ومما يلاحظ انه يوجد في أبو زعبل –علاوة على الزنازين المخصصة لليهود- ما هو مخصص للمسمى بـ"النشاط المعادي" للنظام حيث كان بها عدد من الرجال املوالين للغرب، إلى جانب زنزانة مخصصة لـ"شهود يهوه" وأخرى للبهائيين. في شهر أغسطس، تم إحضار 70 مسلماً من غزة ورجال المشير الذين تم حبسهم في الزنازين الواقعة بالدور الأول. ومن بين هؤلاء كان مصطفى عامر شقيق عبد الحكيم عامر والذى قام بقع شرايينه بعد عمليات التعذيب الأولى. كما قام أحد الأخوان المسلمين بالانتحار في شهر أكتوبر بواسطة سكين مسروق من المطابخ.
أما بشأن ما كان يتم في "تأديب" سجن أبو زعبل، فإن توزيع المعتقلين على الزنازين وفقا لأصولهم العرقية، او لمعتقداتهم كان يخفى تقسيماً أقل أصطناعاً ودواعى للتقارب اكثر ملائمة للواقع، حيث كان هؤلاء المعتقلون –حرصا على المحافظة على أنفسهم وعلى الإبقاء على علاقتهم بالواقع- يعملون على إعادة تشكيل مجتمعاتهم الخاصة كما كانت لا زالت موجودة على بعض بضعة كيلومترات من هذا المعتقل.
لم تتضمن زنازين اليهود والمسلمين، والمسيحيين، سوى ما يقرب من عشرين معتقلاً ينتمون إلى الطبقات العليا اجتماعياً. كان يتلقى هؤلاء اثناء الفسحة من يونيو الى سبتمبر وعلى الرغم من ثيابهم الرثة، ومنظرهم الكئيب، فهم يتحدثون بطريقة طبيعية عن دورات لعبة الجولف ويثرثرون كأنهم فى حفل استقبال، ويثورون بطريقة راقية من منطق الاعتقال المستفز.
كان أحد المعتقلين من هؤلاء القوم يصيح باعلى صوت "ليس الغباء من الأشياء التى يستحسن القيام بها"، وهو الذى جلب معه كتابين فرنسيين من تأليف احد كبار الكتاب الفرنسيين، وقد تم حجز الكتابين في إدارة المعتقل. أما الأستاذ "." المحامى، فكان ينظر إلى هؤلاء اليهود الفقراء، ويتأفف قائلاً: "على التفكير أننى وسط فقراء قومي حتى أتحمل هذا الوضع". ومن جهة آخرى، قام احد المعتقلين المسلمين وهو وزير سابق، بتكليف أحد افراد سكرتاريته السابقين ليتولى القيام بغسيل الملابس الداخلية والخارجية لأصدقائه اليهود. وفى وقت الفسحة أجيد "س" يقترب منى ليقول: "ألا تجد نفسك أنيقاً للغاية فى هذا الزى الذى ترتديه؟". كل هذا كان شديد العبثية.
ولكن ما كان أقل عبثية هو هذا التلاقى بين صغار اليهود والإخوان المسلمين، صحيح أن صفوف الاخوان المسلمين ضمت محامين وأطباء، ولكنهم لم يتوجهوا إلى أندادهم اليهود، بل إلى صغار القرائيين اليهود.
هل يعود هذا إلى التناغم اللغوى، او التماثل فى العادات والتقاليد، أو الشعور بتطابق الهوية فى التقوى؟ هل شعر الإخوان المسلمون بالانبهار تجاه هؤلاء اليهود الذين يشبهونهم كالإخوة، ويتحدثون بلغتهم، ويصلون مثلهم، وهم الذين سبق لهم إحراق الكنائس اليهودية؟ كان قادة الإخوان المسلمين يلتقون كل ليلة حول الزنازين اليهودية حيث يتبادلون الحديث من خلال القضبان الحديدة مع من كان الأستاذ "ز" المحامي يطلق عليهم اسم إخواننا "على أرضية المعبد".
كما لم يتوجه الإخوان المسلمون إلى ذويهم من الموالين للغرب. كانوا يقدمون النصائح لليهود، ويعلمونهم تفادى آثار الزيارات الفجائية التى يقوم بها الضباط، ويؤدون دور الحكم عند نشوب المنازعات، ويتحدثون عن أم كلثوم، وعن أسرهم بتلك الحميمية المضبوغة بالأدب التى تميز صغار البرجوازيين فى المدن العربية.
انتظمت علاقات صغار اليهود بالضباط بالقدر نفسه الذى نشأت فيه علاقات الإخوة مع الإخوان المسلمين الذين يعدون أعداءهم التقليديين، ففى مصر، يشارك الزى الرسمى، والجهات الإدارية، والكلمات الطنانة، فى عقد اتفاقات سرية، وهى اللعبة التى دخل فيها اليهود الصغار منذ البداية.
لم يفطن اليهود المميزون إلى الأمر مباشرة، فاليهود الصغار والإخوان المسلمون لم يعبروا عن غضبهم أبدا، بل كانوا يجدون الضرب والتنكيل من الأامور الطبيعية تماما. وهذا على الرغم من أن الأسابيع الاولى كانت قاسية.
كان لابد ان أتحلى بحد أدنى من المنطق حتى أكتشف ذلك مباشرة، صحيح أننى كنت قد لاحظت أنه حينما يبادر الضباط بالضرب، يكون صراخ اليهود مبالغا فيه، ومتسرعا، كما أن تقطيب الضباط لحواجبهم كان مبالغاً فيه ايضاً، وصوتهم كان جهوريا وخطابيا إلى حد كبير. ذلك ان زعزعة كرامة السجان تعنى تقريبا زعزعة القانون نفسه، على حد قول كافكا.
كنت قد لاحظت ان تلك التكشيرات تتسم بالعبثية مضيفة هكذا إلى سلسلة الأعمال العبثية التى توالت منذ شهر مايو، والواقع انه كانت هناك عملية جادة، شبه مأساوية، تجرى هنا. لقد وصل اليهود الصغار الى معتقل ابو زعبل وهم شبه عراة، فهاهم قد سُلموا لأعدائهم من الاخوان المسلمين وضباط الأمن الذي يحق لهم قتلهم فى المعتقلات. وبالتالى فن افراغ تلك المسرحية المأساوية من مضمونها وتحويلها الى تمثيلية مضحكة بهذه الطريقة يعنى فى الواقع الانتصار فى تلك العملية. لم اصل الى تلك النتيجة الى قبل ايام معدودة من الافراج عنى، بعدما علمت ما الذى تم هنا قبل اعتقالى.
كل شئ بدء فى شهر مايو قبل الحرب، وقبل العقبة، ففى بداية الشهر، تم تسليم خطاب اولى بالوضع فى أجازة غير محدودة إلى اليهود العاملين في مؤسسات الدولة والمرتبطين بالؤسسات العامة، ثم استلموا خطاباً أخر بفصلهم نهائياً مع تجميد حساباتهم فى البنوك.
وعندما أعلن جمال عبد الناصر رافعاً يديه للأمام فى مؤتمره الصحفى "نقول لليهود: فلتأتوا" لم يشعر اليهود بالقلق ان عبد الناصر لم يستخدم –ولأول مرة منذ خمسة عشر عاماً- تعبيير "الصهاينة" أو "التابعين لإسرائيل" بل استعمل كلمة "اليهود". انهم على علم تام بكل هذا، فلا مكان هنا للحيل القانونية. ولما تم حصار خليج العقبة كان لابد ان تندلع الحرب. انهم يعرفون تماماً انه سيلقى القبض عليهم مرة اخرى كما حداث فى 1948 و1956، فى معسكر الهايكستيب او فى العباسية، حيث كانت معاداة السامية مازالت تتسم باللياقة. لن يتوقف الأمر هذه المرة فى ان يقدموا للجهات الأمنية ككبش فداء، فيتركوا كل شئ وراءهم من سيارات، وشقق سكن، والسجاجيد، التى يسلمونها لمنفعتهم الخاصة رجال قسم 94. ألن يصبح اقصر الطرق من السجن الى باريس ذلك البيع بالمزاد العلنى فى شارع النمر من قبل أحد اعضاء الطائفة الإسرائيلية لصالح شريكه فى الظل اللواء شعراوى، مدير الشئون اليهودية؟ ولكن هناك شئ آخر، ما هو؟
فى عام 1948، كان هناك فى مصر 76000 يهودى، مازال منهم اليوم ألفان بمن فيهم من أطفال ونساء. لم يحدث منذ عام 1948 أن طرد أحد منهم خارج البلاد دون أن يكون عليه قبول الاستيلاء على كل ما يملك ونهب كافة أمواله، وهو ما يتم بتنظيم من البوليس السياسى. ولا أحد يسأل كبار رجال البوليس من كان المالك السابق للسيارة التى يستعملونها، او الشخص الذى كان ساكن فى الشقة التى يقيمون فيها الآن. ففى صباح يوم 5 يونيو، قامت مجموعات كبيرة من رجال البوليس السرى بترك مكاتبها، والانتشار فى أرجاء المدينة. وكانت الجملة املعتادة التى يرددونها: "المسألة عبارة عن خمس دقائق بس، مجرد إجراءات، وسوف تعودون بعد خمس دقائق".
عند غروب الشمس كان هناك أكثر من 300 يهودى فى أقسام الشرطة، تاركين وراءهم كافة أعمالهم ونساءهم وأطفالهم الذين لن تصلهم أية أخبار عنهم قبل نهاسة شهر اغسطس، وسوف يرتفع عددهم سريعا الى 350.
"خمس دقائق"، تلك هي العبارة نفسها التى سمعها ذلك الشخص الأعرج وهذا الطبيب اليهودي الذى كان يقوم بإجراء عملية جراحية لسجين بسجن طره، وهذا الذى كان يركن سيارته. كما قيلت نفس العبارة لكبير حاخامي الإسكندرية وللسيد م.ه الذى كان يستعد لإعداد حقنة لوالدلته التى تحتضر بينما زوجته فى حالة وضع، وهو الذى سيضع الحقنة فى الماء المغلى ليذهب بمصاحبة رجل الشرطة ولن يعلم بوفاة والدته إلا وهو فى سجن ابو زعبل، خمس دقائق من الثامنة صباحا حتى الليل لـ350 يهودياً لا أكثر، فهى الحصة التى خصصتها الجهات الأمنية.
كما استدعى الأمر فى مستشفى الأمراض العقلية بالإسكندرية إلى البحث عن قميص ليرتديه م.س، فلا يصح ان يصحطبه ضابط الشرطة وهو يرتدى قميص المجانين. حينما وصل الرجل لأبو زعبل استعاد فجأة بعض عقله فقال للطبيب الإخوانى الذى تعاطف معه: "لا يا دكتور، ليس في إمكانك ان تفعل شيئاً من أجلى، فأنت هنا منذ ثلاث عشرة سنة، أنت إذن أكثر جنوناً منى".
أما د.هـ المجنون الآخر فكان يظن نفسه الله وكنا ننام جنباً إلى جنب فى عنبر رقم 17 وكان يستيقظ ليلا ممسكا بالقضبان الحديدية للباب وهو يصيح "أنا رجل حر!" ويومياً كانت تحل بنا أزمة حقيقية وقت الصلاة: "لا صلاة، لا صلاة، أقول لكم توقفوا عن الصلاة، أنا الرب ألهكم".
لم يترك سوى خمس دقائق من الوقت الوقت للإخوة "ب" الذى قبض عليهم ثلاثة ضباط وهم لا يزالون يؤدون امتحاناتهم في القاعة الكبرى بكلية الطب. كما منحت خمس دقائق لذلك المتسول "م" الذى كان يمارس نشاطه امام قسم شرطة باب شرق بالإسكندرية، فاختصر الأمر بالنسبة له إلى الانتقال للجانب الآخر من الحائط.
ولكن لم يكن الجميع مثل هذا المتسول. فهناك من ترك الأموال والسيارات والمكاتب الخاصة والشيكات التى تنتظر التوقيع وكان كل ذلك يختفى. على الرغم من اننا كنا على وعى تام بأن كلمة "خمسة" فى اللغة العربية المصرية قد تعنى خمس دقائق او خمس سنوات. انهم لايزالون في ابوزعبل. لقد علم الجميع تقريباً بأنه قد تم فى يوليو وأغسطس بيع كل ما يملكونه فى مزاد علنى. كان يستمع أغلبهم لتلك الأخبار وهم لا يعبأون بشئ ويجدون هذا من الأمور العادية. أما ما يعجزون عن فهمه فهو الضرب والتعذيب.
فى مساء يوم 5 يونيه، كان الضابط النوبتجى فى قسم بوليس الموسكى قد أحضر من محل الجزارة الخطاف التى تُعلق بها الذبائح. بمجرد ان يصل احد اليهود، كان يأمره بالوقوف وظهره للحائط ثم يضع الخطاف على كتفه ويشده لأسفل فيتمزق كل شئ: القماش واللحم. كما تم جلد امرأة جاءت لتحتج على اعتقال زوجها. اما فى حالة "ج.ك" الذى كان يحمل معه مبلغاً مالياً مُغالى فيه (17 جنيهاً) فقد قام الضابط بتقطيع الأرقام المسلسلة للنقود ثم أعاد الرزمة إلى المسجون بعد دهس نظارته على الأرض.
وعلى نفس المنوال تم احتجاز المحامى "ز" البالغ 69 سنة يومى 5 و6 يونيو دون اى طعام او مياه، وذلك فى مكان ضيق مساحتة لا تزيد عن خمسين سنتيمتراً مربعاً، فمن سوء تصرفه انه سأل عن سبب القبض عليه.
لقد تم ايضاً فى قسم الموسكى ذاك اغتصاب الطفل "ى" على يد اثنين رجال الشرطة بناء على اوامر الضباط. وقد شهدت والدته هذا المنظر فانطلقت مرعوبة إلى السفارة الإسبانية، حيث اتجه على الفور السفير الإسباني إلى قسم البوليس وأظهر غضباً شديداً لا يمت بصلة للتقاليد الدبلوماسية، ثم انتزع هذا الطفل من زنزانته. كان يوجد ايضاً في اقسام البوليس الأخرى عديد من الشبان الذين لم يتعدوا 18 عاماً من العمر. لو يكونوا إسبانيين، ولم يثيروا سوى غضب هؤلاء الذين كانوا يقومون بمقاومتهم.
وفى قسم مصر القديمة عندما طلب أحد الأطباء البالغ 73 سنة ان يتحدث تليفونياً مع محاميه، تم اصحطابه بكل أدب إلى كابينة التليفونات التى لم تكن كذلك. لحقه فى هذا المكان احد المسجونين الجنائيين، وأحكم رجل الشرطة إغلاق الباب. سمع اليهود الموجودون فى الزنازين الآخرى صوت أنين يصدر من هذا المكان على مدى ساعات طويلة. ثم خرج الطبيب العجوز ممسكاً ببنطاله فى يده، لم يقل شيئاً إلا أن زملاءه سمعوه يبكى طوال الليل.
فى مساء يوم 8 يونيه اعلن الدكتور محمد فايق فى الإذاعة ان أوائل الآسرى الإسرائيليين الذى قبضت مصر عليهم سيصلون فى نفس الليلة إلى محطة القاهرة، وانه إذا كان فى قبضة إسرائيل بعض الآسرى المصريين فليس لمصر ان تحسدها على شئ.
المذهل حقاً ان هؤلاء الآسرى الذين وصلوا تلك الليلة إلى محطة القاهرة لم يكونوا سوى أولئك اليهود المصريين الذين قامت مصر بالقبض عليهم، ولكن لا أحد من الصحفيين أو رجال الشرطة أدرك تلك الحيلة.
لقد اخذت النكتة تنتشر انتشاراً واسعاً منذ يوم 5 يونيو، وهو ما يعد علامة سيئة إذن ان النكتة من اقدم الأسلحة السرية التى يلجأ إليها الشعب المصرى ضد جميع انواع القهر. فجدران الأهرامات مغطاة بحروف هيروغليفية ساخرة فى لغة غامضة. وكان الشعار الذى يشير الى الشرطة هو (مباحث الترويج والتهويش) لأن النكتة التى يتم اكتشافها تعنى المؤامرة التى تم الكشف عنها.
لقد كان من شأن النكتة التى اطلقها محمد فايق ان تدفقت الحشود نحو محطة القاهرة، ففى السادسة مساء 8 يونيه هبط من قطار الإسكندرية طابور طويل من كبار السن والأطفال والمعاقين الذين كان قد تم اعتقالهم يوم 5 يونيه بالإسكندرية ينزلون زوجين زوجين وفى ايديه مالقيود الحديدية ثم يقرفصون على أرض رصيف رقم 2، بينما تندفع عليهم الجماهيرة المحتشدة حولهم والتى اصبحت الشرطة عاجزة عن كبحها.
فى أول الطابور كان هناك الحاخام الأكبر وكل من رئيس ونائب رئيس وسكرتير عام الطائفة اليهودية بالإسكندرية. ثم يليهم أطفال المدارس، ومرضى مستشفيات المجانين، وكذلك بعض من الصم والبكم، والتربى الرسمى الذى هو نفسه قارب الموت، والذى حرمته الشرطة من الرجل الخشبية التى يتعكز عليها دون الإستناد لأى قاعدة قانونية تحرمه منها.
جدير بالذكر أنه بفضل رد الفعل السريع لأحد الضباط، نجا من الرجم هؤلاء اليهود القادمون من الإسكندرية. تم تكديسهم فى اللوريات المصفحة المنطلقة بسرعة كبيرة وهى مطفئة انوارها متجهة إلى ابو زعبل، وهكذا تبدأ ليلة السكاكين الطويلة.
المحامى "ز" هو من حكى لنا عن ليلة السكاكين الطويلة، فقد وصلت اللوريات إلى أبوزعبل ليلاً وكان الضباط ينتظرون على باب الشاحنات حيث أمروهم بالقفز على الأرض، فلما نفذوا هذا الأمر وهم مقيدون إلى يد شخص آخر، أخذوا يرتطمون على الأرض بينما الضرب ينهال عليهم من كل جانب، ثم تم الزج بهم فى حوش المعتقل حيث ظلوا فى وضع القرفصاء أمام فوهات المجارى من الثامنة مساء حتى السادسة صباحا. كان يمر عليهم كل ساعة أحد الضباط ويضربهم بسعف النخيل، كما تم صلب كبير حاخامى الأسكندرية على باب مدخل المعتقل وتم ضربة حتى فقد الوعى تماماً. بعد هذا الضرب المبرح كان يأتى أحد الضباط ليتسلق ظهورهمم، ويسير جرياً عليهم ذهاباً وأياباً، إذا ما اتكأ احدهم على كتف الآخر بكون عقابه الضرب. عند الساعة الثالثة صباحاً كان معظمهم فقد الوعى.
وبحلول الساعة الرابعة صباحاً، أعد الضباط طاولة كبيرة وضع عليها عديد من سكاكين المطبخ الطويلة. عندئذ، قال الحاخام الأكبر "إنهم سوف يقومون بذبحنا .. بلغوا الجميع بإقامة الصلاة". فأخذ اليهود يهمون بالصلاة حيث استمروا على هذا الوضع حتى الفجر.
بعد السكاكين تم إحضار أوان كبيرة مليئة بالمياة الساخنة بينما ظل اليهود فى صلواتهم. لا ندرى إن كان ما يلى نابعا من نوع ما من الهلوسة الجماعية إلى أن المجامى "ز" يؤكد أنه رأى فى هذه الليلة شابتين تضحكان باعلى صوت عندما كان يقول أحد الضباط "هل يحلو لكما أن تذبحا احداً منهم؟" وكان الدكتور "ج" اكثر تأكيداً فلقد سمع أحد الضباط يقول لإحدى تلك السيدات "لا شك إننى قد احسنت بدعوتكم هنا لتروا اليهود هكذا، أليس كذلك؟"
عند الفجر، دق جرس التليفون فى مكتب قائد المعتقل. عندئذ، تم إدخال اليهود فى الزنازين –وهم لم يتوقفوا عن الصلاة- حيث استغرقوا فى النوم حتى المساء دون شراب او طعام.
فى تلك الليلة، حوالى الثالثة صباحاً، أخرج الضابط عمرو من الصف المدعو "ي.د" وأمره بالذهاب إلى الدور الأول وهو يلاحقه بالعصا. فى ظلام الزنزانة، وقع "ي.د" على الأرض حيث يهم الضابط بضربه، ثم يقفل باب الزنزانة ويأمر أحداً قد يكون مختبئاً فى ركن الزنزانة: " يالا نيكهُ يا مرجان!"
الزنزانة مظلمة ومرجان اسم سودانى، سيظل "ي.د" مترقباً طوال الليلة التى سيعتبرها أطول ليلة أمضاها فى حياته، وعندما حل الفجر فهم ان الضابط كان يخدعه إذ وجد نفسه بمفرده فى الزنزانة. حينئذ فقد الوعى، وهى القصة التى اضحكت الكثير من الضباط فيما بعد.
جلادينا كانوا: الضابط رشاد المسمى  بالصاعقة، عمرو المسمى بهتلر، ورفعت وعبد اللطيف وعصام الضخم بصوته المخنث، وعبد العال سلومة. هذا هو رفعت الذى يأتينا ثلاث مرات يومياً ليجعلنا نقفز ونجرى ونصيح بأعلى صوتنا "احنا خولات" واضعها عصاه على تفاحة أدم رقبة كل مسجون حتى الشهق، فتبدأ قهقهته ترن عالياً. لقد عودنا رفعت على دقة الساعة التى يتم فيها ضربنا حتى إننا كنا نشعر بالقلق فى الأيام التى لا يأتى فيها إلينا.
أما الضابط عمرو المسمى هتلر، فهو الذى علق ليلة حضورنا حاخام الإسكندرية الأكبر مصلوباً، وأوسعه مائة ضربه بعصاه وهو يقول "أتصلبت يا يهودي".
وكان الضابط عصام هو الذى يصدر الأمر للمعتقلين بالوقوف كل واحد منهم أمام الآخر ليصفع بعضهم الآخر على وجهه. لقد قمنا جميعنا بصفع المسنين كما قمنا جميعاً بالـ"فسحات" وأنوفنا فى مؤخرة هذا العجوز نقيب المحامين او هذا الطبيب المسن. كان يطلق اسم "السلسلة" على تلك المهزلة. وعمرو ايضاً هو الذى حضر مجموعة مكونة من 70 فرداً فى زنازين لا تسع إلا لثلاثين مسجوناً. وهو الذى جعل الأستاذ "ز" يؤدي أغنية الأطفال "قطتى صغير" ويأمر الدكتور "ج" المصاب بالروماتيزم فى المفصل بركل الأرض وهو يردد "دو،ري،مي،فا،صول،لا،سى،دو"
وكان الضابط رشاد يجبرنا على الجرى ونحن نصيح "أنا خول واسمى زنوبة" ولكن عصام  والذى كان يطلق على اليهود المرضى عبارة "المسخوطين"، ووجه فى يوم بأحد المسلمين الفلسطينيين يصيح فى وجهه "بتقول عليهم مساخيط يا ابن فرعون؟! دول اليهود اللى خلوك تركع! اومال لو كنت كسبت الحرب كنت قلت عليهم ايه؟"
لم أشاهد الضرب يلاحق الزنزانة رقم 22 إلى أن تم نقل ثلاثة المعتقلين إلى العيادة الطبية، على إننى كنت حاضراً عندما قام أحد رجال الشرطة بإلقاء مائة جلدة على المعتقل "ج.ب" بأمر من الضابط حتى يتوسل المسجون بالعفو عنه إلى أن "ج.ب" ظل صامداً، لا يتفوه بكلمة حتى فقد الوعى حينذاك قال له الجلاد: "عندى ولد فى سنك، أدعو الله انه يطلع زيك".
فى صباح كل يوم، قبل تناول طبق الفول الذى يعده الإخوان المسلمون بكفاءة كبيرة، يتسلق أحدنا المرحاض محاولا التقاط شذرات بعض الأخبار التى كانت تذاع من راديو الضباط. فقد كنا على جهل بما يحدث، وكأنن مفقودون فى أعالى البحار. عندما كنا نسمع نداء "انتباه" يتصاعد من الزنازين القريبة من السلم كنا نفهم ان الساعة العاشرة ثباحاً قد حلت. ولا تسمع حتى الساعة 12 سوى تلك الهتافات التى لا تنقطع "تحيا ناصر"، "تحيا الثورة العربية"، "فلتسقط أمريكا ولتحيا فرنسا".
كانت الزنازين تهتز بشدة من صوت الأناشيد الجماعية لأغانى الأطفال، وكان الأصدقاء يصفعون وجوه بعض، كما ترى مجموعة مكونه من 5 إلى 6 مسجانين لا يتردون سوى اللباس الداخلى يهرولون حتى انقطاع الأنفاس فى دهاليز المعتقل وحينما يأتى الدور علينا، كان نصيبنا ضرب مبرح يجب ان نتلقاه بكل أمتنان حتى تهدأ الأمور.
الضابط عمرو هو الذى أخذ يضرب الصغير "ى" ضرباً مبرحاً لأنه قد اتخذ الزنزانة حماماً للسباحة، متسلقا فوق احد الجرادل المقلوبة ثم يرتمى علينا. كنا نحتج على هذا الوضع، وكان والده المحبوس فى الزنزانة نفسها يعرب عن استياءه، ثم يجهش بالبكاء. كان الطفل –الخارج من العيادة النفسية- قد تجرأ بجعل عمرو المسمى هتلر يشاهد كوباً من الماء يحتوى على حبة فول وزهرة وذبابة قائلاً: "لقد وضعت بالأمس حبة الفول والزهرة فى الماء، انظر ماذا قد فعلت؟" وكان يشير الى الذبابة، هذا وقد ظل الصغير "ى" يومين فى العيادة الطبية من أجل الذبابة.
صباح ذات يوم دخل رشاد المسمى بالصاعقة الزنزانة متصدياً الأمر لاثنين من الشباب الذى وقع الأختيار عليهم بالصدفة ليخلعا ملابسهما. ثم أمر أحدهما بالانحناء وأمر الآخر باغتصاب زميله. كنا نرى هذا المشهد، وهنا أخذ أحد الشابين فى البكاء بحرقة شديدة "مقدرش، ده أخويا" نظر رشاد بملء عينيه إلى والدهما الموجود معنا وقال له: "أنت مشفتش حاجة مش كده؟" فرد الأب وسعفة النخيل مصوبة بين عينيه بإنه لم ير شيئاً.
أما ميزة الضرب المبرح فهى أنها تبقى الزنازين فى حالة السكون التام لمدة ساعة كاملة. كان يجرى ذلك ثلاث مرات يومياً، كما لو كان احدى الطقوس او نوعاً من الصلاة الصامتة.
يدخل عمرو هتلر ورفعت ورشاد إلى الزنازين ويضربون بينما يئن اليهود، فبفضل عصاه السحرية كان المارد العربى يحول هؤلاء الكومبارس إلى جنود فى الجيش الأسرائيلي يطلبون الرحمة. وهكذا قال رشاد الصاعقة يوماً إلى أخوين مر بينهما ليلحق بسرعة احد المسجونين "أنا موسى اللي بيشق البحر".
وهنا أخذ المعتقل الذى يتلقى الضرب يصيح إنها لعلامة جيدة حيث لقب الأخوان الذان مر بينهما رشاد هو "بيسح" أي عيد الفصح، وهنا أخذ الضابط يعاقب المعتقل بقسوة فقد أفسد عليه جلسة الأستمتاع. والواقع ان كلاً من المعذبين والساديين والمازوشيين كانوا متواطئيين، يتواصلون خلسة من خلال عمليات الضرب.
لقد تمكنت بفضل "ش" الصغير الذى يقوم بالتهريج أثناء عملية التعذيب ان اكتشف منذ الأسبوع الاول طقوس تلك المشاركة، وقد ذهب "ش" إلى ما هو ابعد من ذلك فى بدايات شهر يوليو فقد نجح فى استعياب انه يجب الوصول الى اقصى حد فى اتجاه الحرية المفقودة وانت فى السجن من اجل تخطيها.
فى صباح احد اسام شهر يوليو، بعد عملية من الضرب اشد من سابقتها، اجبر عمرو هتلر احد الشباب على التهام صرصار غارق فى القاذورات، اقترب منى "ش" طالباً بصوت خافت ان انظر إلى حذاء عمروو إذا به يقول لى بصوت حالم: "أيعقل ضربنا كما يفعل هو يرتدى مثل ذلك الحذاء؟" كان "ش" قرائياً، يعمل حرفياً فى محل صياغة وهو يكاد يكون أمياً. هذا الصغير نجح بكل بساطة فى كسر حدة اللحظة، فلم يعد أبوزعبل جزيرة مفقودة، ولا نحن فى بولندا، وهذا المريد لعبد الناصر الذى يضربنا بأكبر قدر من الشدة ليس إلا باقى البشر.
بعد ضربنا كان يتحتم على عمرو ركوب المواصلات العامة للعودة لمنزله، فنحن على بعد 40 كيلومتراً من القاهرة، والمطار الدولى قريب للغاية، وهكذا أعادنا هذا الحذاء المتهالك فى قدم هذا الغول الشرس إلى التقارب مرة آخرى مع العالم الخارجى.
كان "ي.م" يقول "لم يعد الناس بهذا القدر من المعاداة للسامية حتى فى الأرياف" لم يكن يستوعب إننا كنا فى الأرياف، فى أرياف ذات طابع شديد المصرية رغم القضبان، كما لم يدرك انه يشعر فى السجن بالغربة نفسها التى يشعر بها فى القاهرة منذ انهيار طبقته التى نظمت خطاها على ساعة لندن او باريس.
فى مساء ذلك اليوم، اتخذ "ش" قراره، والواقع انه هو الذى النتصر فى الحرب الصغيرة القائمة بأبوزعبل على الرغم أن احداً لم يعلم هذا. فقد نجح فيها أخفق فيه حتى الآن كل من الصليب الأحمر، والأمم المتحدة، وحقوق الإنسان.
فبينما كان الضابط بمفرده فى آخر الحوش آثناء الفسحة، انتهز "ش" هذه الفرصة ليتوجه إليه. لم يحدثه عن عمليات التعذيب، ولم يشتكى من شئ، بل كان يرغب فى ان يعرض على الضابط قضية تتصل بتنظيم المعيشة داخل المعتقل، وكان الضابط على كامل الأستعداد للأستماع عليه. أفاده "ش" أن عدد اليهود الموجودين 350، ولهم بعض النقود لدى إدارة المعتقل، وأنه يهمهم أن يقوم الضابط بتنظيم مطعم لهم، ففى استطاعة هؤلاء اليهود ان يجمعوا 3000 جنيه كل شهر، وبينما يرون ان الطعام الذى يعده الإخوان المسلمون هو حقا جيد للغاية، فهم يرغبون فى تحسين الوضع اليومى، وهكذا، سيشعر الجميع بالرضاء وإذا جاء الصليب الأحمر يوماً سيجد ان يهود يعاملون معاملة حسنة للغاية.
لم يشهد هذا المساء ضربا، بل توقف الضرب تماماً. وبعد يومين، فتحت علينا أبواء السماء بتدفق أكثر من 50 كيلو من الطماطم و100 كيلو من الفلفل الأخضر، وكميات من الفاكهة والخضروت التى كانت إما غير ناضجة او متعفنة، وهى التى كنا نتركها تتحلل فى أحد الأركان.
ولكن لا اهمية لكل ذلك فقد توقفت كل انواع الضرب واعيدت إلينا ساعات اليد، واصبح من حقنا الحصول على الجرائد وتلقى الخطابات. ومن سخرية الأقدار أنه تم إدخال الإخوان المسلمين فى زنازين يوم استلام خطابات من اسرنا، وهم الذين كانوا قد تولوا حمايتنا –كما قيل لنا- بعد الإفصاح عن هذا الأمر حتى لا يشعروا الاخوان بالغيرة، فبد مرور سنوات تترواوح بين سبع أو عشر سنين فى هذا المعتقل، لم تكن تصلهم أى أخبار من الخارج، أما اليهود فقد كانوا هنا منذ ثلاثة شهور فقط.
لقد تم الإفراج عنى من أبوزعبل يوم 4 سبتمبر، وقد أقامت كل الزنازين الاحتفالات التى تقام عادة فى تلك المناسبة، كنت اسمع من زنزانة إلى اخرى من خلال القضبان الحديدية  الكلمات التالية: "هل تعرفون أيها الأخوة من سيتركنا اليوم؟" وياتى رد الزنزانة الأخرى "ده اخونا من زنزانة 24، مع السلامة يا أخونا العزيز". وهنا جاء نحوى بعض من المسلمين والمسيحين واخذوا يمطرونى بالقبلات، وفجأة رأيت الصغير "ش" يطل من اعلى ممر السجن يغمز بعينيه ويلوح بغطاء رأسه معيراً عن تحيته، عندئذ وجهت له سلاماً عسكرياً مماثلاُ.
أمضيت بضعة أيام أخرى فى سجن القناطر، ثم بعض ساعات فى القلعة. وفى مكتب الجوازات طلب منى الضابط المنشاوى بشئ من الحرج التوقيع على اقرار التخلى عن جنسيتى، توقفت عندئذ ان اكون مصرياً ورحلت بعيداً.
عندما ركبت التاكسى اخذ السائق ينظر إلى فى المرآة ويبتسم دون ان يستدير بوجهه. لو يتوقف عن إلقاء نظراته منذ أن دخلنا شارع رمسيس. أنه يعلم جيداً من اين انا آت وإلى أين أنا ذاهب، دون ان يلتفت قال انه مطرب وانه يؤدي أحياناً دور الدوبلير فى أفلام محمد عبد الوهاب. لم أرد عليه. أضاف قائلاً وهو يكرز نظره على الطريق أن مصر ليست ملكاً لأحد، ثم سألنى: إلى أين أنت ذاهب؟ وعندنا أخبرته قال لى "وهتروح كده؟".
لقج عبر بإيماءه من رأسه عن رفضه لذلك وهو يقول إنه ليس ثرياً ولكن لا يمكن أن أذهب خالى اليدين هكذا.
أخذ يغنى من أجلى طوال الوقت حتى وصولنا إلى المطار، فغنى "وصلنى وصلنى" ثم أخذ يغني "يا ريس.."، وهو الريس الذى يقول ان هذا البلد ملك الذين يحبونه وانه ليس ملكا للفرعون او للمملوكي.
كان الضابط الذى يجلس بجوارى ينظر من النافذة، وحينما وصلنا مطار القاهرة، نزل السائق. كنت أريد ان اعطيه بقشيشاً فرفض، تسمرنا فى مكاننا للحظات دون ان نتحدث، قبلنى، وبصوت منخفض همهم فى أذنى "أنا أسف". وهنا أخذ الضابط يميل نحوى، ثم يتراجع ويستدير بظهره، ثم يعود من جديد، لقد شعرت انه الآخر يريد ان يقبلني إلا انه قد يكون مجرد وهم من الأوهام التى تنتاب الإنسان بعد النهاية.

2 comments:

  1. الرقم الخامس مهم في تاريخ الحصان العربي المصري. كانت هناك خمس أسر مهيمنة داخل السلالة، كل سلالة تمتلك خصائصها. توضح هذه المقالة تاريخ وتأثير الحصان العربي المصري.

    ReplyDelete